في بلدٍ أثقلته الحرب وضيّقت فيه الحياة على تفاصيلها اليومية، تواصل الكاتبات اليمنيات شقّ طريقهنّ في الكتابة بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة والبقاء. وسط هذا الواقع المركّب، تبرز الروائية فكرية شحرة كأحد الأصوات السردية التي لم تتخلّ عن مشروعها الأدبي، رغم ما يحيط به من تحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية. كتابتها، التي تميل إلى الواقعية الصادمة، لا تنفصل عن السياق اليمني المأزوم، بل تنبع منه وتعيد صياغته سردياً، كاشفةً عن تحولات الإنسان في زمن الحرب.
في هذا الحوار تفتح فكرية شحرة نافذة على تجربتها الأدبية ومسيرتها التي بدأت مبكراً وتأخرت في النشر، متوقفةً عند أثر البيئة والظروف الشخصية في تشكيل صوتها الروائي، كما تتناول واقع الأدب النسوي في اليمن، وحدود العلاقة بين الانتماء السياسي والإبداع، إضافة إلى رؤيتها لدور الكتابة في توثيق الألم الإنساني وتحويله إلى نص أدبي قادر على البقاء.
--------------
- من هي فكرية شحرة؟
وُلدت الروائية والقاصة اليمنية فكرية شحرة في قرية الشعيبة، مديرية بعدان، محافظة إب. انتقلت عائلتها وهي في الرابعة من عمرها إلى مدينة إب، حيث التحقت بالتعليم النظامي. وخلال دراستها في المرحلة المتوسطة تزوجت، وأكملت تعليمها الثانوي والجامعي وهي زوجة وأم، حتى تخرجت من كلية التربية بجامعة إب عام 2001.
أصدرت أول مجموعة قصصية لها بعنوان "غيبوبة" عام 2014، تلتها رواية "عبير أنثى" عام 2015. ولها العديد من المقالات في الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية داخل اليمن وخارجه.
ومن أبرز أعمالها الروائية: "قلب حاف" (2016)، و"صاحب الابتسامة" بأجزائه الثلاثة (2017–2019)، كما أصدرت عام 2019 روايتي "نصف روح" و"الثجة"، وفي عام 2020 رواية "شمس أوام"، ثم "لحى زهرية" بعد خمسة أعوام. ولها أيضاً مجموعات قصصية، منها: "غيبوبة"، "هكذا يموتون"، و"فتيات الغربة".
- بدأتِ كتابة القصص في سن مبكرة، لكن إصدار أول مجموعة قصصية تأخر لسنوات.. ما أسباب هذا التأخير؟
بدأت الكتابة فعلا في سن متقدمة، ربما أول نص نشر لي في مجلة أو صحيفة سنة 1996 ، تحديدا كنت دون العشرين من العمر ، وما زلت أحتفظ بكل أعداد الصحف والمجلات التي نشرت لي، لكن إصدار أول مجموعة قصصية كان سنة 2014. يعود الأمر لسببين: أولا لأني كنت أكتب في المقالة الصحفية بتركيز أكثر، وثانياً صعوبة النشر والكثير من الظروف العائلية المعيقة. ومع ذلك كل تأخر فيه خير فقد اتاحت لي سنوات الانتظار تجربة ناضجة إلى حد ما.فكرية في فترة الطفولة - إلى أي مدى تأثرتِ بالصحفي الراحل الأستاذ حميد شحرة؟ وهل كان لهذا التأثر دور في انطلاقتك الأدبية؟
من الطبيعي التأثر بأخي الذي رباني على محبة الأدب، له الفضل الكبير أن ملأ حجرته منذ طفولتنا بالكتب والروايات ودواوين الشعر. كانت بذرة الموهبة هبة من الله تقاسمناها معاً كشقيقين، ليأتي عشق القراءة يصقل موهبة الكتابة. ثم أتيح له كرجل أن يشق طريقه. وكنت أنا أسير على ذات الطريق الذي مهده لي رحمة الله عليه.
- في بداياتك الأدبية، لماذا كنتِ مترددة في نشر أعمالك القصصية والروائية؟
كما قلت لك الظروف العائلية والبيئة المحيطة لم تكن تشجع أو تحبذ هذا النوع من الكتابة لذا لجأت إلى كتابة المقالة الصحفية في الشأن العالم والوضع الإنساني وكنت أكتب القصة القصيرة دون نشر أغلبها حتى واتتني الظروف ففكرت في جمعها في أول مجموعة قصصية. - هل واجهتِ معارضة من الزوج أو الأسرة بسبب كتابتك؟
الحقيقة لا أحب الحديث عن حياتي الخاصة مطلقا الا النزر اليسير
في مجموعتك "غيبوبة" (2014)، ركزتِ على معاناة النساء قبل الحرب.. هل ما تزال تلك الصور صالحة لوصف واقع المرأة اليمنية اليوم؟
نعم ما زالت صالحة أن تطلق على وضع المرأة مع إضافة عناوين أكثر بؤسا بسبب تردي الأوضاع أكثر في اليمن. الحقيقة أن الرجل اليمني أصبح يحوز على عناوين صادمة ومؤلمة أيضا بسبب الحرب والحال الذي يجمع مختلف الأنواع في أتون وضع واحد. ولهذا اختلفت كتاباتي عما قبل الحرب وبعدها، صار التعب والمعاناة والقسوة حال لا يفرق بين أحد.
- لوحظ أن إنتاجك الأدبي تزايد بعد مغادرتك اليمن.. كيف أثرت الحرب عليكِ وعلى الكاتب اليمني في المهجر؟
لا أستطيع أن أقول إن انتاجاتي من القصص والروايات زادت عقب خروجي من اليمن، لكن من الطبيعي أن تزيد بعد تفرغي للكتابة الأدبية وترك المقال الأسبوعي في المواقع والصحف الالكترونية التي كنت أكتب فيها. أما عن الحرب وتأثيرها على الكاتب في كل النواحي فهي رغم مرارتها مصدر وحيه ووجعه، خاصة حين يهاجر ويطالع المشهد في الوطن من خارجه ويعرف مدى القسوة والبؤس الذي يعيشه أبناء وطنه، فيما تكون أبلغ أمنياته أن ينعم بالأمن كبقية الدول. تصبح الصورة أكثر وضوحا وشمولية من بعيد، الحقيقة أن الكاتب اليمني يعافر كي يكتب ما يرى إما توثيقا أو نزيف حزن على وطنه. - هل تأثرتِ في كتابتك بروائيين آخرين، خاصة بعد نضوج تجربتك الأدبية؟
لم أكتب عبير أنثى متأثرة برواية وجهان لحواء، لأنني قرأت هذه الرواية بعد أكثر من عشر سنوات من كتابة روايتي. لكني حين قرأتها لاحظت أن فكرة الرواية قريبة من بعضها بحسب بيئة كل كاتبة. ذلك لأني واجهت انتقادات بسبب رواية عبير أنثى. رغم أن الفكرة واقعية وتحدث كثيرا لكن مجتمعنا المحافظ يفضل أن يغلق عينيه عن اخطاءه بدلا من مناقشتها. أما عن تأثري بكتاب آخرين أنا أقرأ للجميع وأحب كتابا وروائيين كثر لا يوجد روائي بعينه.
- كيف تقيمين واقع الأدب النسوي في اليمن اليوم؟
المشهد الأدبي اليمني بشكل عام يبشر بخير من حيث غزارة الإنتاج وجودته. كل فترة تظهر أسماء شابة جديدة في إصدارات مميزة تناضل كي تجوب معارض الكتب رغم صعوبة وكلفة النشر. والكتابات النسائية جزء من هذا المشهد الجميل الذي نفرح ونفخر به. ونستطيع أن نقول أنه رغم الأوضاع الصعبة في بلدنا يبقى الأدب واستمرارية الوجود فيه هو الوجه المشرق في كل هذا السواد - تبدين متفائلة رغم معاناة الأدباء.. كيف تفسرين هذا التفاؤل؟
أنا أتفاءل لكون هناك حركة أدبية رغم الفقر والعوز، وللعلم نصيب أدباء المهجر من الفقر والعوز أضعاف من هم في الداخل،و لعل القاسم المشترك الأكبر بين غالبية الادباء هو الفقر. - كيف يمكن للكاتب أن يوازن بين الكتابة الصحفية والإبداع الأدبي؟
ينبغي الفصل بين ما يحدث في الكتابة الصحفية وبين كتابة الرواية فقط في الأسلوب ، بمعنى أن الكتابة الصحفية عادة تكون تقريرية بلغة جافة، والأدب يعتمد على عمق الشعور. وبراعة الكاتب في فصل الأسلوبين عن بعضهما. بالنسبة لي كنت طوال كتابتي للمقال الصحفي أكتبه بأسلوب أدبي. حتى جاء الوقت الذي تفرغت فيه للكاتبة القصصية والروائية. لكن موضوعات رواياتي وقصصي هي الأحداث التي نستقيها من وضعنا كيمنيين. - في مجموعتك القصصية "هكذا يموتون"، قدمتِ 32 قصة عن الجوع والفقر والنزوح.. من أين تستمدين هذه الشخصيات؟ وكيف تردين على من يرى أنك تبالغين في تصويرها؟
كل ما كتبته في مجموعة "هكذا يموتون" هي قصص واقعية وإن أعملت الخيال فيها، فالواقع أشد قتامة من الخيال. ككاتبة عرفت بالواقعية الشديدة والمباشرة. حتى تلك الشخوص التي انسجها من الخيال ستجد أنها تمثل غالبية اليمنيين وكثيرا ما قيل لي ممن يقرأ لي أنه وجد نفسه بين الصفحات.
- لماذا يُنتقد انتماء الروائي سياسياً؟ وكيف تنظرين إلى هذه المسألة؟
لا يوجد تحريم على الروائي بخصوص انتمائه، لكن يوجد فكر مغلوط حول ما ينبغي أن يكون عليه الروائي، هناك صورة معينة صدرت عن الكاتب المثقف أو الروائي وتم تعميمها، ربما أتفق أن الكاتب ينبغي أن يكون حرا من الانتماءات الحزبية أو السياسية كي لا تؤثر على فكره الإنساني وما يؤمن به في أعماقه.
وهذه القناعة وصلت إليها لشعوري بمحدودية فكر إي انتماء حزبي، هذه المحدودية التي تعيق إبداع وصدق الكاتب، الصدق الذي اعتبره بوابة الولوج إلى قلب وعقل القارئ. - هل توقعتِ فوز رواية "لحى زهرية" بجائزة كتارا بعد وصولها إلى القائمة القصيرة؟ وكيف تقرئين طبيعة المنافسة في مثل هذه الجوائز؟
الحقيقة أن الفوز بجائزة له اعتبارات كثيرة ليس الجدارة إلا جزء بسيط منها. هناك العلاقات وهناك مراعاة تقسيم البلدان في الحصول على الجائزة وهناك أمزجة لجنة المسابقة نفسها، وهناك الحظ والتوفيق من الله. بمعنى أن الوصول إلى قائمة التسعة شهادة يؤخذ بها في جدارة العمل وجودة، لكن في تسلم الجائزة تدخل المعايير المختلفة الأخرى. ويبقى توفيق الله هو العامل الأساسي. - طُرحت فكرة توجهكِ لكتابة السيناريو أو الدراما.. لماذا لم تخوضي هذا المجال؟
لست متحمسة لهذا النوع من الأعمال، المسرح أيضا لا أفكر في كتابة مسرحية، ربما أتمنى كتابة قصص للأطفال لكن لا أدري متى. - هل هناك موضوعات تخشين الاقتراب منها في الكتابة؟
لا يوجد مطلقا شيء أخشى الكتابة عنه، لكن يوجد أشياء كثيرة لا تستحق تناولها، أو أن تناولها أصبح ممجوجا. - إلى أين تتجه فكرية شحرة، وأين تتجه الروائيات اليمنيات برأيك؟
إلى الأفضل إن شاء الله، إلى مزيد من تجويد أعمالي وأتمنى ذلك من كل أديب وكاتب. بالنسبة لي بعد حوالي أثنى عشرة عمل أشعر أن الأفضل لم يكتب بعد وما زلت في بداياتي وأسأل الله التوفيق في قادم أعمالي إن شاء الله.
يجب ان نشير الى أن الروائيات اليمنيات هن نساء مكافحات يحاولن تجميل القبح وسيصنعن بصمة في الأدب اليمني لا ريب. - ما السؤال الذي كنتِ تتمنين طرحه ولم يُطرح؟
كنت أريد لو سألتني عن عملي القادم. العمل الذي أخذ من دموعي وأعصابي الكثير.. والذي أوقفت عمل في منتصفه كي اكتبه. - كلمة أخيرة؟
أتمنى أن نجد القارئ اليمني وأن تصبح القراءة أسلوب حياة، لا قيمة لكتاب دون قارئ ونحن شعب لا يقرأ للأسف إلا بنسبة ضئيلة جدا. - *نقلا عن النداء










