رغم التحذيرات الأمنية وتصاعد التوترات في الممرات المائية الدولية، لا تزال طوابير المتقدمين للعمل في شركات الشحن ووكالات التوظيف في العاصمة الفلبينية مانيلا تشهد ازدحاماً كبيراً، مدفوعةً برغبة ملحة في تأمين مستقبل عائلاتهم، متجاهلين المخاطر التي قد تتربص بهم في أعالي البحار.
يروي جيرالد، وهو بحّار مخضرم قضى 15 عاماً في العمل التجاري، تجربته القاسية أثناء وجوده على متن سفينة شحن قبالة ميناء الفجيرة في الإمارات، حيث وجد نفسه عالقاً وسط تبادل لإطلاق النار بين القوات الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير الماضي. يقول جيرالد: مر صاروخ فوقنا مباشرة، واضطررنا للاختباء بينما كانت البحرية تعترضه. لم يكن هناك مكان آمن، واضطررنا للصيد من على سطح السفينة للبقاء على قيد الحياة بعد أن تعطلت خطوط الإمداد.
الوظيفة الوحيدة التي أعرفها
بالنسبة لجيرالد، لم تكن المخاطر سبباً كافياً للابتعاد عن البحر. يوضح قائلاً: لقد مكنني هذا العمل من بناء منزل لوالديّ وتأمين حياة كريمة. إنها المهنة الوحيدة التي أتقنها، ولا يمكنني ببساطة التحول إلى الزراعة أو التجارة.
إحصائيات مقلقة ومخاطر مستمرة
تشير بيانات المنظمة البحرية الدولية إلى أن الفلبين توفر أكثر من ربع القوى العاملة البحرية في العالم. وفي ذروة التوترات في مارس الماضي، كان هناك نحو 20 ألف بحّار محاصرين في مضيق هرمز، بينهم حوالي 2500 فلبيني، وقد سُجل مقتل ما لا يقل عن 17 بحّاراً في هجمات متفرقة.
ولا يقتصر الخطر على منطقة الخليج؛ إذ شهد البحر الأسود تصاعداً في الهجمات على السفن التجارية وسط الحرب الروسية الأوكرانية. وفي يوليو الماضي وحده، تعرضت 35 سفينة للاستهداف، مما أسفر عن مقتل أكثر من 20 بحّاراً، بينهم ثلاثة فلبينيين على الأقل.
إذا متّ.. ستكون عائلتي بخير
يستذكر ألبرتو لوباتون، بحّار آخر، لحظات الرعب التي عاشها حين انفجرت قذيفة على بعد 300 متر فقط من سفينته. وعلى الرغم من مناشدات الحكومة الفلبينية لشركات الشحن بتجنب المناطق عالية الخطورة، ومنحها الحق للبحّارة في رفض الإبحار، إلا أن الضغوط المالية تدفع الكثيرين للاستمرار.
يختم لوباتون بمرارة: سأكون كاذباً إن قلت إنني لا أخاف، لكن المكافآت المالية تفوق مخاطر الإصابة أو الموت. إذا قُتلت، ستكون عائلتي مؤمنة مالياً مدى الحياة بفضل التأمين، لذا أفضل أن يحدث ذلك أثناء عملي في البحر.





