سجل لبنان ارتفاعاً مقلقاً في أعداد الوفيات الناجمة عن الانتحار، حيث تشير الأرقام الصادرة عن قوى الأمن الداخلي، والتي وثقتها جمعية إمبرايس، إلى تسجيل 50 حالة وفاة خلال الفترة الممتدة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2026، مقارنة بـ 38 حالة خلال الفترة ذاتها من العام السابق، وهو ما يمثل زيادة بنحو 32 في المئة.
يأتي هذا الارتفاع في وقت يشهد فيه لبنان ظروفاً استثنائية جراء الحرب والنزوح وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق، مما أدى إلى تزايد الضغوط النفسية على السكان بشكل غير مسبوق.
خمسون حياة ليست مجرد أرقام
تؤكد عبير جمول، المعالجة النفسية والمشرفة على الخط الوطني الساخن للدعم النفسي، أن هذه الأرقام تعبر عن مآسٍ إنسانية عميقة. وتشير البيانات الرسمية إلى تذبذب في معدلات الانتحار خلال السنوات الأخيرة؛ حيث سجل عام 2023 نحو 168 وفاة، انخفضت إلى 129 في عام 2024، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 147 وفاة في عام 2025.
وتحذر جمول من أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى من المسجلة رسمياً، نظراً للوصمة الاجتماعية المرتبطة بالانتحار، ومحاولات بعض العائلات إخفاء الأسباب الحقيقية للوفاة لاعتبارات دينية أو اجتماعية، فضلاً عن غياب نظام مراقبة وطني موحد يربط السجلات الصحية والطبية.
الفئات العمرية الأكثر عرضة للخطر
تكشف البيانات أن الفئات الأصغر سناً تتصدر قائمة الوفيات؛ ففي عام 2024، كان نحو 48 في المئة من الضحايا تحت سن 39 عاماً. وفي عام 2023، سجلت الفئة العمرية بين 23 و32 عاماً العدد الأكبر من الوفيات بواقع 48 حالة، تليها الفئة بين 33 و42 عاماً بـ 39 حالة.
وتوضح جمول أنه لا توجد فئة عمرية محصنة، إذ يتشكل السلوك الانتحاري نتيجة تفاعل معقد بين الضغوط الاقتصادية، العزلة الاجتماعية، وفقدان الأمل، وتراكم الصدمات الناتجة عن الحروب والنزوح.
أزمات متراكمة دون فرصة للتعافي
تشير آغاتا عبود، مديرة الخط الوطني الساخن (1564)، إلى أن لبنان يعيش حالة من الأزمات المستمرة التي تمنع المواطنين من التقاط أنفاسهم والتعافي. فقدان المنزل، الذي يعني فقدان الأمان والروتين والشبكة الاجتماعية، إلى جانب فقدان العمل، دفع الكثيرين إلى الشعور بالذنب والعجز.
وقد رصد الخط الوطني الساخن ارتفاعاً في عدد الاتصالات اليومية ليصل إلى أكثر من 60 اتصالاً، وهو ضعف المعدل المسجل قبل الحرب، لا سيما بعد قرار مجلس الوزراء بجعل الخدمة مجانية في مارس/آذار الماضي.
التدخل المبكر: الأمل في كسر الصمت
يعمل الخط الوطني الساخن 1564 على مدار الساعة بإدارة أكثر من 120 متطوعاً مدرباً. وتؤكد عبود أن الاستماع دون أحكام وتقييم درجة الخطر ووضع خطة سلامة هي خطوات أساسية لإنقاذ الأرواح. كما تمتلك جمعية إمبرايس فرق تدخل متنقلة في بيروت وطرابلس وجبل لبنان للتعامل مع الحالات الطارئة.
وتختتم عبود رسالتها بالتأكيد على أن الأفكار الانتحارية هي في جوهرها رغبة في إنهاء الألم وليس الحياة، وهذا الألم قابل للعلاج، داعية إلى تعزيز تنفيذ الخطة الوطنية للصحة النفسية وكسر حاجز الصمت حول هذه القضية.





