بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق ينهي هذا التصعيد غامضة، خاصة مع تأكيد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عدم وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
وفي حين يرى بعض المعلقين الغربيين أن طهران عاجزة عن إبرام أي صفقة بسبب قيود أيديولوجيتها المعادية لأمريكا، يشير الواقع التاريخي والدستوري للنظام الإيراني إلى فرضية مغايرة تماماً؛ فالجمهورية الإسلامية لا تحكمها الأيديولوجيا وحدها، بل تعطي الأولوية المطلقة لـ بقاء النظام (حفظ النظام)، وهو المبدأ الذي قد يدفعها للمساومة مع خصومها إذا اقتضت الضرورة.
حدود معاداة الإمبريالية
في عام 1988، حسم المرشد الأعلى آية الله الخميني نزاعاً داخلياً حول صلاحيات الحكم، معلناً أن مصلحة الحكومة الإسلامية تعلو فوق جميع الأحكام الدينية الأخرى، بما في ذلك الصلاة والصيام. وأدى هذا التوجه إلى تأسيس مجلس تشخيص مصلحة النظام (المادة 112 من الدستور)، ليصبح المرجعية القانونية التي تمنح النظام الحق في تجاوز الثوابت الدينية والسياسية إذا تطلب الأمر بقاء الدولة.
وعلى هذا الأساس، باتت معاداة الإمبريالية لدى طهران أداة سياسية وظيفية وليست التزاماً أخلاقياً عالمياً. فهي تعارض الهيمنة حين تكون هي المستهدفة، لكنها تمارس سياسات نفوذ في المنطقة (لبنان، العراق، سوريا، اليمن) تتقاطع مع مصالحها الأمنية الخاصة. إن البقاء هو الجوهر، بينما تُعد الشعارات الأيديولوجية حزاماً واقياً يمكن تخفيفه أو تعديله.
التسوية مع العدو: التاريخ كمرجع
التاريخ الإيراني مليء بالمحطات التي أثبتت أن النظام يمتلك زر إيقاف لأشد شعاراته تطرفاً. ففي عام 1988، قبل الخميني بوقف إطلاق النار مع العراق واصفاً إياه بأنه أمرع من تجرع السم. كما شهدت فترات سابقة صفقات سرية مع واشنطن (إيران-كونترا)، وتعاوناً دبلوماسياً في مؤتمر بون عقب غزو أفغانستان عام 2001.
وفي تطور لافت هذا العام، وبعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير، وتولي نجله مجتبى خامنئي السلطة، وقّع الرئيس مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم إسلام أباد في يونيو، والتي تضمنت وقف الأعمال العدائية وتخفيف العقوبات. وقد صادق مجتبى خامنئي على الاتفاق، مما يؤكد أن النظام يعطي الأولوية لـ المرونة البطولية - وهو المصطلح الذي صاغه المرشد السابق في 2013 - لتبرير التنازلات الاستراتيجية.
مستقبل التوافق: هل يعني الانفتاح؟
إن إبرام اتفاق مع الخصوم قد يقلل من مخاطر الحرب ويخفف من الاختناق الاقتصادي، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً نحو الديمقراطية في الداخل. فالتجارب السابقة تشير إلى أن النظام يستغل فترات التهدئة لتعزيز أدواته القمعية، وتوسيع حملات الاعتقالات والإعدامات بدعوى ظروف الحرب.
إن النقاش الدائر اليوم يضعنا أمام خيارين خاطئين: إما المواجهة التي تكسر النظام، أو الدبلوماسية التي تلطفه. الاحتمال الأرجح هو سيناريو ثالث: تسوية مع الولايات المتحدة تحفظ النظام وتضمن بقاءه، دون أن تغير من طبيعة الحكم القمعية تجاه الداخل الإيراني، ليصبح النظام أكثر حصانة ضد التهديدات الخارجية، بينما يبقى المواطن الإيراني تحت وطأة القبضة الأمنية ذاتها.





