تتجدد معاناة العائلات التونسية التي تعيش على وقع الفقد المفتوح لأبنائها الذين اختفت آثارهم في رحلات الهجرة نحو إيطاليا. أمام مقر السفارة الإيطالية بتونس، احتشد العشرات حاملين صور ذويهم، في مشهد إنساني يختزل سنوات من البحث المضني عن إجابات لم تأتِ بعد.
ليلى صالح، واحدة من هؤلاء الأمهات، تروي بمرارة قصة ابنها بدر الدين حسين الذي غادر البلاد عام 2018 بحثاً عن مستقبل أفضل، قبل أن ينقطع الاتصال به تماماً. تقول ليلى: كان ابني ملتزماً ومعيلاً لأسرتنا، لكن ضيق الأفق دفعه للهجرة، ورحل تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه إلا معرفة مصيره.
قصص تتقاطع في المأساة
لا تقتصر المأساة على المهاجرين غير النظاميين فقط، بل تمتد لتشمل عمالاً ومقيمين انقطعت أخبارهم. وتوضح عواطف الدالي، وهي أستاذة متقاعدة، أن ابنها حمدي بسباس كان يعمل ميكانيكياً في إصلاح السفن بإيطاليا، قبل أن تتلقى وعوداً من السلطات التونسية عام 2020 بوصوله وتلقيه العلاج، ليختفي بعدها دون أي أثر، رغم سفرها وزوجها إلى إيطاليا للبحث عنه.
غياب الحصيلة الرسمية
تغيب الأرقام الدقيقة والمحدثة عن ملف المفقودين، حيث يعود آخر تقرير رسمي إيطالي للمفوض الحكومي المكلف بالمفقودين إلى عام 2015، والذي أشار حينها إلى 501 حالة لتونسيين مفقودين. ومنذ ذلك التاريخ، لا تتوفر معطيات رسمية تعكس حجم الملف الحقيقي اليوم، وهو ما تصفه المنظمات الحقوقية بـ التقصير المؤسساتي.
عقبات في مسار البحث
يشير الناشط الحقوقي مجدي الكرباعي إلى أن الإشكال الأساسي يكمن في غياب متابعة مؤسساتية مستمرة. ويضيف أن العائلات تجد نفسها مضطرة للتواصل الفردي مع المستشفيات والمقابر والسلطات الإيطالية، بدلاً من وجود مسار رسمي واضح. وتبرز أهمية مطابقة عينات الحمض النووي (DNA) كحل تقني ضروري لتحديد هوية الجثامين مجهولة الهوية في مراكز الاحتجاز والمشارح الإيطالية.
أزمات داخل مراكز الاحتجاز
تتجاوز القضية ملف المفقودين لتشمل ظروف وفاة مهاجرين داخل مراكز الحجز والترحيل في إيطاليا، مثل وفاة الضاوي لسود في أغسطس الجاري، ووسام عبد اللطيف عام 2021، وبلال بن مسعود عام 2020. وتطالب الجمعيات الحقوقية، وعلى رأسها جمعية الأرض للجميع، بضرورة التعامل مع هذا الملف كقضية وطنية تتطلب تنسيقاً دائماً وعالي المستوى بين تونس وإيطاليا لضمان كشف الحقائق للعائلات المكلومة.





