في دير البلح، وسط قطاع غزة، تجلس مريم البالغة من العمر 16 عاماً أمام ورقة بيضاء، تمسك قلمها لترسم خطوطاً هادئة، محاولةً بناء عالم بديل بعيداً عن واقع الحرب المدمر الذي فرضته العمليات العسكرية الإسرائيلية على تفاصيل حياتهم اليومية.
فقدت مريم منزل عائلتها في يناير 2024، وتعيش حالياً في منزل جدتها، كما فقدت أصدقاء وأقارب، بينهم عمها، في ظل حرب أودت بحياة عشرات الآلاف. بالنسبة لمريم، لم يعد الرسم مجرد هواية، بل أصبح وسيلة للتنفيس عما تعجز الكلمات عن وصفه.
تقول مريم: أشعر براحة نفسية كبيرة، كما لو أنني أفرغ مشاعري على الورق بدلاً من حبسها داخلي. كل رسمة تجعلني أشعر بأنني وصفت جزءاً مما أشعر به.
مساحة للأمل وسط الركام
تعتبر المساحة الفنية التي ترتادها مريم في مقهى على شاطئ دير البلح ملاذاً حيوياً. وقد بادر عبد الله الغفري (35 عاماً) بإنشاء هذا المكان لمساعدة الأطفال، رغم التحديات المالية الكبيرة وصعوبة العثور على تمويل.
يقول الغفري: ولدت الفكرة من رحم المعاناة. مع تدمير معظم المراكز التعليمية والثقافية، كان لا بد من إيجاد مكان يحتضن مواهب الأطفال ويفرغ طاقاتهم السلبية ليحل مكانها الأمل.
العلاج بالفن والموسيقى
من وجهة نظر علم النفس، تؤكد الأخصائية أسيل أبو شاويش أن الفن يمنح الأطفال والمراهقين وسيلة للتعبير عن صدماتهم. وتوضح قائلة: عندما يرسم الطفل أو يعزف، فإنه يطلق الضغوط المكبوتة. هذه المساحات الآمنة تمنحهم شعوراً بالسيطرة على جزء من حياتهم وسط ظروف متقلبة.
لا يقتصر الأمر على الرسم، ففي مخيم النصيرات، ينسق جبر ثابت أنشطة موسيقية بالتعاون مع معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى. ويؤكد ثابت أن الهدف أبعد من تعلم العزف، فهو خلق مساحة للفرح وتجاوز حالة الانعزال.
ويختتم ثابت قائلاً: بالنسبة لنا، الفن شكل من أشكال الصمود. عندما يغني الطفل أو يعزف وسط كل هذا الدمار، فإنه يحافظ على جزء من إنسانيته وحياته.





