من الورق إلى المسرح: كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة لتجاوز أزمة الأمية؟
متابعات-المشاهدات: 45

في أعقاب ثورة عام 1917، واجهت السلطة السوفيتية تحدياً مزدوجاً: تفشي الأمية بين قطاعات واسعة من الشعب، ونقص حاد في موارد الطباعة والورق نتيجة الحرب الأهلية. هذا المأزق دفع البلاشفة إلى ابتكار وسيلة إعلامية غير تقليدية عُرفت بـ الصحف الشفوية أو المسموعة، وهي نصوص إخبارية تُقرأ بصوت عالٍ أمام الجماهير في الساحات والحدائق العامة.

تحويل الخبر إلى أداء مسرحي

لم تكن التجربة مجرد قراءة للنصوص؛ فقد أدرك المحررون سريعاً أن الأسلوب الجاف لا يجذب انتباه المستمعين، خاصة الجنود والعمال. وبدأت عملية تطوير المحتوى لتشمل السخرية، والفكاهة، والشعر، مع تحديد مدة زمنية للقراءة لا تتجاوز الساعة الواحدة لضمان الحفاظ على تركيز الجمهور.

مع مرور الوقت، تطورت هذه الصحف من مجرد قراءة للنصوص إلى صحف حية، وهي عروض مسرحية متكاملة تتضمن التمثيل، والأغاني، والأناشيد، والرقص، لتتحول إلى ما يشبه المسرح السياسي المتنقل الذي ينقل أخبار انتصارات القوات الشيوعية ويوجه الرسائل الأيديولوجية.

ملصق
ملصق لفرقة السترة الزرقاء في زمن الاتحاد السوفييتي - عام 1929

أكثر من مجرد دعاية سياسية

لم تقتصر أدوار الصحف الحية على الجانب السياسي أو تصوير العدو البرجوازي بطريقة ساخرة، بل لعبت دوراً حيوياً في التوعية الصحية. فقد استغلت الفرق المسرحية أسلوبها الغنائي الشعبي لنشر قواعد الصحة العامة، وتوعية الناس بسبل الوقاية من الأوبئة المنتشرة آنذاك مثل التيفوس والكوليرا، وحثهم على تبني عادات صحية كتهوية الأماكن وشرب المياه النظيفة.

إرث السترة الزرقاء

تعتبر فرقة السترة الزرقاء النموذج الأبرز لهذا النمط الإعلامي، حيث جابت البلاد بكتائب تحريضية استخدمت أزياء طليعية وعروضاً مسرحية معقدة. وقد نجحت هذه التجربة في ترسيخ أشكال من الأداء المرتبط بالأحداث اليومية، وظلت حاضرة في النوادي والمراكز المجتمعية السوفيتية لسنوات طويلة، حتى بعد انحسار معدلات الأمية في البلاد.

متعلقات