تآكل اللياقة في الخطاب السياسي الأمريكي: هل أصبحت اللغة السوقية أداةً لكسب الجماهير؟
متابعات-المشاهدات: 51

تشهد الحياة العامة في الولايات المتحدة تراجعاً ملحوظاً في قواعد اللياقة والتهذيب، حيث باتت الألفاظ النابية واللغة الخشنة جزءاً متجذراً في الخطاب السياسي والإعلامي، متجاوزةً بذلك حدود اللغة المتداولة التي كانت يوماً ما مثار جدل.

يرى أستاذ الاتصال والناقد الإعلامي، جيفري إم. مكال، أن ما كان يُعتبر سابقاً خروجاً عن المألوف، أصبح اليوم ممارسة شائعة انتقلت من سياقات الأغاني والإنترنت لتستقر في صلب الخطب السياسية والمقابلات الإخبارية. ويؤكد مكال أن استخدام الألفاظ النابية ليس ظاهرة مستحدثة في أوساط السياسيين، إذ عُرف عدد من الرؤساء الأمريكيين عبر التاريخ باستخدام لغة حادة في مناسبات مختلفة، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في العلنية؛ فبينما كان السياسيون قديماً يحرصون على إبقاء هذه اللغة خلف الأبواب المغلقة، أصبحت اليوم تُستخدم بوقاحة أمام الكاميرات وفي الفضاء العام.

تفاقم الظاهرة: من الاستثناء إلى القاعدة

يُشير الكاتب إلى أن الرئيس السابق دونالد ترمب يمثل نموذجاً بارزاً لهذا التحول، حيث أسهم استخدامه المتكرر للألفاظ النابية في نقل الخطاب السياسي إلى مستوى جديد من التخلي عن اللياقة. ولم تعد هذه الظاهرة حبيسة البيت الأبيض، بل امتدت لتشمل أروقة الكونغرس والمجالس التشريعية في الولايات، مما جعل استخدام الشتائم في النقاشات السياسية أمراً معتاداً لا يثير الاستغراب.

جلسة
جلسة نقاش حامية الوطيس في الكونغرس الأمريكي تخللها هرج ومرج في 22 يونيو/حزيران 2016 (أسوشيتد برس)

وتدعم دراسة أجراها الباحثان بنجامين بيرغن وباميلا بان من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو هذا التوجه، مؤكدة ارتفاع معدلات استخدام السياسيين للألفاظ النابية. وترى الدراسة أن الكثير من هذه الانفعالات اللفظية ذات طابع استعراضي متعمد، يلجأ إليه السياسي لإظهار القرب من الجمهور أو للتعبير عن الغضب والأصالة.

جيفري مكال: الخطاب السياسي القائم على الشتائم والإهانة يحل محل النقاش العقلاني والحجج المنطقية، ويزيد الاستقطاب في مجتمع منقسم أصلاً.

تداعيات على الثقافة العامة

يحذر مكال من أن المشكلة تتجاوز مجرد الذوق الشخصي، لتصل إلى صميم الثقافة العامة؛ فالخطاب القائم على الإهانة يغتال النقاش العقلاني ويُعطل الحجج المنطقية، مما يؤدي إلى تعميق الاستقطاب في مجتمع يعاني أصلاً من انقسامات حادة.

ويختتم الكاتب مقالته بالدعوة إلى ضرورة فرض انضباط لغوي في المجال السياسي، مؤكداً أن الشخصيات العامة تقع على عاتقها مسؤولية تقديم نموذج يحتذى به في احترام الخصوم. ويستحضر في هذا السياق تحذيرات الفلاسفة، مثل ألاسدير ماكنتاير وإدموند بيرك، حول أهمية القيم المشتركة والأخلاق في حماية الحرية، مشيراً إلى أن إصلاح الخطاب العام يُعد خطوة جوهرية لاستعادة الاحترام واللباقة في الحياة السياسية الأمريكية.

متعلقات