الاندماج النووي: ساحة المعركة القادمة التي ستعيد رسم خرائط القوة العالمية
متابعات-المشاهدات: 45

بعيداً عن صخب المنافسة في قطاعات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، يتبلور سباق صامت لكنه الأكثر تأثيراً في التاريخ الحديث: التسابق نحو تسخير طاقة الاندماج النووي. هذه التكنولوجيا لا تعد بمصدر طاقة نظيف وغير محدود فحسب، بل تحمل في طياتها القدرة على إعادة ترتيب موازين القوى الدولية.

تعتمد طاقة الاندماج على نظائر الهيدروجين، العنصر الأكثر وفرة في الكون، مما يجعلها مصدراً مستداماً يتجاوز محدودية الوقود الأحفوري ومخاطر الانشطار النووي التقليدي، فضلاً عن كونها طاقة مستقرة لا تتأثر بتقلبات العوامل الجوية.

مفاعل
مفاعل الاندماج النووي الشمس الاصطناعية في مدينة تشنغدو الصينية (رويترز)

تحديات التحول التجاري

رغم الاختراقات العلمية، لا تزال التكنولوجيا في مرحلة التجارب المخبرية، حيث يتطلب الاندماج ظروفاً قاسية تشمل درجات حرارة تتجاوز 180 مليون درجة فهرنهايت. وتتمتع الولايات المتحدة حالياً بتقدم في أبحاث الليزر والبرمجيات، حيث نجح مختبر لورانس ليفرمور الوطني في عام 2022 في إنتاج طاقة تفوق الطاقة المستخدمة في التفاعل، إلا أن الفجوة مع الصين تتقلص بوتيرة متسارعة.

التفوق الصيني: من المختبر إلى الصناعة

تراهن الصين على استراتيجية متكاملة تتجاوز البحث العلمي؛ فهي تستثمر في القدرة الصناعية وسلاسل إمداد المعادن النادرة. وقد أعلن معهد فيزياء البلازما في خفي عن نجاحات في اختبار مكونات حيوية للمفاعلات التجارية، مما يشير إلى نية بكين تكرار نجاحها في قطاعات الطاقة الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية.

ويشير الخبراء إلى أن الاندماج النووي سيشكل العمود الفقري المستقبلي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي العملاقة، وهو ما دفع شركات التكنولوجيا الكبرى مثل غوغل ومايكروسوفت لعقد اتفاقيات شراء طاقة مستقبلية مع شركات ناشئة في هذا المجال.

المعضلة الأمريكية: التمويل مقابل الاستدامة

تتصدر الولايات المتحدة المشهد من حيث التمويل الخاص، إذ تمتلك 42 شركة جمعت قرابة 8.05 مليار دولار. ومع ذلك، تتبع الصين نهجاً مركزياً بحشد موارد الدولة مباشرة للمشاريع الاستراتيجية، حيث ضخت منذ عام 2023 استثمارات تعادل ثلاثة أضعاف ما خصصه برنامج علوم الاندماج التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.

تكمن الخطورة الاستراتيجية في أن الاندماج النووي لن يقتصر على كونه إنجازاً علمياً، بل سيصبح صناعة ضخمة تعتمد على سلاسل إمداد آمنة. ويحذر محللون من أن اعتماد الولايات المتحدة على التصنيع الصيني في هذا القطاع قد يضعف موقفها التنافسي، مما يجعل من تعزيز الاستثمار الحكومي في البنية التحتية المحلية ضرورة ملحة للحفاظ على الريادة العالمية في العقود المقبلة.

متعلقات