يواجه المشهد الميداني في ميانمار تحولاً استراتيجياً لافتاً، حيث بدأ الجيش الميانماري في استعادة السيطرة على مناطق حيوية كان قد خسرها لصالح قوات المعارضة خلال العامين الماضيين. هذا التراجع في مكاسب المعارضة يضع الصراع في مرحلة جديدة تتسم بحرب استنزاف طويلة الأمد.
سقوط فلام ودروس المعركة
يمثل سقوط مدينة فلام الاستراتيجية في ولاية تشين نموذجاً لهذا التحول؛ فبعد ستة أشهر من الهجمات المكثفة التي شملت أكثر من 2500 غارة جوية، اضطرت قوات المعارضة للانسحاب. وتكتسب فلام أهميتها من كونها تضم المطار الوحيد في الولاية وتتحكم في طرق التجارة المؤدية إلى الحدود الهندية.
ويشير سالاي ويليام تشين، القيادي في تحالف أخوية تشين، إلى أن التحدي لا يكمن في السيطرة على المدن فحسب، بل في القدرة على الاحتفاظ بها في ظل التفوق الجوي العسكري. وأكد أن المعارضة قد تلجأ إلى حرب العصابات المتنقلة بدلاً من التمسك بالمواقع الثابتة للحفاظ على القوى البشرية.
عوامل التحول في ميزان القوى
يرجع المحللون هذا التحول الميداني إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- حملة التجنيد الإجباري: التي مكنت الجيش من تعزيز صفوفه بعشرات الآلاف من الجنود الجدد.
- التفوق الجوي: استمرار الضربات الجوية المكثفة التي أدت إلى تشتيت دفاعات المعارضة وإلحاق خسائر فادحة بالمدنيين.
- الدعم الخارجي: الدور الصيني الذي لعب دوراً في التوسط لفرض اتفاقيات وقف إطلاق نار في بعض المناطق، والضغط لتقييد إمدادات السلاح للفصائل المعارضة.
حصيلة إنسانية ثقيلة
وفقاً لبيانات مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها (ACLED)، تجاوزت حصيلة القتلى في الصراع 100 ألف شخص، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود 3.9 مليون نازح، مع حاجة ملحة للمساعدات الإنسانية لثلث سكان البلاد.
وعلى الرغم من استعادة الجيش لـ 22 مدينة من أصل 101 مدينة خسرها سابقاً، يرى الخبراء أن هذه المكاسب لا تعني انتصاراً حاسماً. وفي هذا السياق، تؤكد سو مون، الباحثة في ACLED، أن البلاد تتجه نحو حرب استنزاف مطولة، حيث تعيق هذه الانتصارات العسكرية قدرة المعارضة على التنسيق الميداني الواسع، لكنها لا تنهي وجودها كقوة مقاومة.
وفي الوقت الذي يروج فيه رئيس المجلس العسكري مين أونغ هلاينغ لخطوات نحو الديمقراطية، تظل الأطراف المعارضة متمسكة بموقفها، مؤكدة أن الصراع لا يزال في مرحلة التكيف والتعلم، وأن الخيار العسكري لا يزال هو الملاذ الأخير في مواجهة ما يصفونه بالانتهاكات المستمرة.





