لم تعد المطاعم والمتاجر العربية في الولايات المتحدة مجرد مساحات لتبادل الأخبار أو الجدال حول الأصول الثقافية للمأكولات؛ فقد فرض جيل جديد من المسلمين الأمريكيين واقعاً سياسياً مختلفاً، يطرح أسئلة جوهرية حول الانتماء، والمواطنة، والقدرة على التأثير داخل النسيج الاجتماعي والسياسي الأمريكي.
جيل جديد بتطلعات وطنية
يتجاوز أبناء هذا الجيل النظرة التقليدية لأمريكا كمجرد مكان للإقامة، بل يرون فيها وطناً كاملاً. هؤلاء، الذين تخرجوا في الجامعات الأمريكية وتشكل وعيهم في المجال العام الغربي، لم يعودوا يقبلون بتمثيل دور الضيف، بل باتوا يطالبون بموقعهم كجزء أصيل من التركيبة السياسية والاجتماعية للبلاد.
إن صعود شخصيات مثل عبد الرحمن السيد وعائشة وهاب في المشهد الانتخابي ليس مجرد مؤشر على التنوع، بل هو دليل على بروز طبقة سياسية جديدة تسعى للمنافسة على السلطة من داخل قواعد النظام نفسه، متجاوزةً حدود تمثيل الجاليات إلى تمثيل الدوائر الانتخابية العريضة.
إن الإسلاموفوبيا والعنصرية واقعان حقيقيان، وإنكارهما تزييف. لكن الانتخابات لا تكسب عبر إقناع الناس بأن المرشح تعرض للتمييز. الناخب يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه إذا فاز هذا المرشح: الأسعار، والوظائف، والمدارس، والمستشفيات، والضرائب، والأمن.
هندسة التحالفات: من العاطفة إلى المصالح
يكمن التحدي الأكبر أمام السياسي المسلم الجديد في قدرته على بناء ائتلافات عابرة للهوية. فالنجاح الانتخابي لا يتوقف على تعبئة العرب والمسلمين فحسب، بل على بناء جسور مع السود واللاتينيين والآسيويين والطبقة الوسطى والمستقلين. إن التشابه في الهوية يظل عاطفة، بينما تقاطع المصالح هو الهندسة الحقيقية للعمل السياسي الناجح.
لذا، فإن الانتقال من التمثيل الرمزي إلى القدرة التشريعية يتطلب من المرشح المسلم التوقف عن مخاطبة جماعته ككتلة مغلقة، والبدء في صياغة خطاب يخاطب هموم المواطن الأمريكي اليومية، من اقتصاد وأمن وتعليم، مما ينزع عن الخطاب المعادي قدرته على تحديد ساحة المعركة حول الهوية فقط.
التحدي المزدوج: بين الداخل والبيئة الحاضنة
يواجه المرشح المسلم تحدياً داخلياً يتمثل في منطق الناشط مقابل منطق السياسي. فبينما يميل بعض الأنصار إلى التمسك بمواقف حادة ورافضة للتسويات، يفرض العمل السياسي ممارسة فن الممكن وبناء التحالفات. إن النجاح في الانتخابات العامة يتطلب لغة سياسية أمريكية بامتياز، تعترف بأن المسلم الأمريكي لا ينظر إلى الدولة كغريب، بل كشريك في القرار.
قد يكون التحدي الأعمق أن هذا الجيل نفسه يختلف عن الصورة التي تحملها عنه مجتمعات عربية وإسلامية. فكثير من هؤلاء ولدوا وتعلموا وعملوا داخل الولايات المتحدة؛ لغتهم السياسية أمريكية، وتجربتهم الاجتماعية أمريكية، وعلاقتهم بالدولة والمواطنة مختلفة عن علاقة الجيل الأول من المهاجرين.
نحو سياسة القوة
إن التاريخ السياسي لا يكتب بعدد الأسماء التي تصل إلى المؤسسات، بل بقدرة هذه الأسماء على تغيير قواعد اللعبة من الداخل. إن الانتقال الحقيقي الذي يشهده المسلم الأمريكي اليوم هو التحول من سياسة الهوية التي تكتفي بالدفاع عن الأقلية، إلى سياسة القوة التي تطمح لصناعة الأغلبية وقيادة المجتمع بأسره.





