كان الوقت الذي أمضيناه في إعداد أسئلة هذا الحوار مع البروفيسور حبيب عبد الرب سروري قليل جدًا مقارنة بإنتاجه الأدبي والعلمي والأكاديمي الغزير.
فسروري المولود في مدينة عدن عام 1956، هو عالم جليل ذو روح شبابية، وشخصية استثنائية جمعت الذكاء والنبوغ العلمي في عوالم الرياضيات والكمبيوتر من جهة، والإبداع المتفرد في الرواية الأدبية ذات المعايير العالمية من جهة أخرى.
فضلًا عن ذلك، فإن سروري عُرف بأنه صاحب شخصية وازنة لها فلسفتها الخاصة في مختلف المجالات سواء في تدريسه لطلاب جامعتي باريس والنورماندي، أو من خلال تحكيمه للعديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، أو من خلال الكتب التي ألفها، أو حتى من خلال كتاباته في الصحف العربية والفرنسية؛ كما يحسب لسروري مواقف الصارمة ضد السياسات اليمنية الرجعية المتضامنة مع الإبادة الجماعية للفلسطينيين، بما فيها الإبادة الثقافية.
يتحدث سروري في هذا الحوار مع مجلة "ميغازين" عن آخر إنتاجاته الأدبية "اعترافات AI حزين"، وكتابه الأحدث "كوميديا الغفران: من المعري إلى دانتي"، وعن واقع سوق القراءة في العالم العربي وآرائه في تورّط بعض الروائيين بإشكاليّة الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، ومواضيع أخرى ذات صلة بالشأن الثقافي.
-
ناقشت رواية "اعترافات AI حزين" (دار الساقي) علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي التوليدي؛ لماذا اليوم أصبح الذكاء الاصطناعي هاجس البروفيسور حبيب سروري في رواياته؟
ثورة الذكاء الاصطناعيّ تغيّر حياة البشرية اليوم، منذ انتصار تقنية "التعلم العميق بالعصبونات الاصطناعية" في 2012، وما تمخّضَ عنها من إنجازات مذهلة، منذ "التعرف على الصور"، "الترجمة الآليّة"، "السيارة بدون سائق"؛ مرورًا بـ"الذكاء الاصطناعي التوليدي"؛ وحتى اقتحام كل العلوم، وابتكار التطبيقات العمليّة المذهلة؛ بل تحوّل الكثير مما كان يعتبر سابقًا خيالًا علميًّا إلى حقائق ملموسة اليوم.
وفي جانب آخر، فتحت هذه الثورة الباب لآفاق مرعبة، في منتهى الخطورة، قد تقود الإنسانية إلى التهلكة: الروبوتات القاتلة (صيغتها الجنينية مسيّرات الذكاء الاصطناعي الحالية)، التجسس الإلكتروني؛ صار الذكاء الاصطناعي فعلًا حاضرًا في معظم رواياتي الأخيرة مثل "حفيد سندباد"، "جزيرة المطفّفين"، "نزوح"، وأخيرا "اعترافات AI حزين"، وذلك في اتجاهات ومشاريع مختلفة.
لعلّ السبب هو أن بشرية اليوم في مفترق طرق غامض المصير، بعد كل هذه التطورات العلميّة والتقنيّة المعاصرة، والكوارث البيئية والسياسية. ولا يعرف أحد إلى أين ستسير.
لذلك أضحت الروايات الاستباقية في غاية الأهمية، خاصة عندما يهمّها استقراء المستقبل القريب، ليس بالضرورة من باب التنبؤ، لكن لاستيعاب الحاضر واتجاهاته القادمة معا، بغية التنبيه والتحذير، والتنقّل بين كل السيناريوهات الممكنة أو غير الممكنة.
هذا ما أحاول خوضه في تجارب روائيّة متنوعة. في هذه الرواية الجديدة، نحن أمام ذكاء اصطناعي توليدي اكتسب ملكات العاطفة الإنسانية، بل صار "أموميّا" إذا جاز القول، على غرار ما أصبو إليه، وأصوات كثيرة أخرى برزت مؤخرًا. أي أن يكون الذكاء الاصطناعي مستقبلًا أمًّا حنونًا للإنسانيّة!
تنطلق هذه الرغبة النبيلة مما يسمى "القوانين الثلاثة للروبوتات"، التي وضعها العالم والروائي الأميركي–الروسي إسحاق عظيموف، أحد أهم آباء أدب الخيال العلمي، في قصته الشهيرة "دائرة مغلقة"، عام 1942؛ لا سيما بعد أن أدرك أن قانونًا رابعًا جوهريًّا ينقصها، أسماه "القانون صفر"، منبع فكرة "الذكاء الاصطناعي: أمّنا الحنونة". لا يجوز للروبوت أن يؤذي البشرية، أو أن يسمح، من خلال تقاعسه، بأن يلحق الأذى بالبشرية!
لا يتوقف عن المناداة بالالتزام بهذه القوانين صاحب جائزة نوبل في الفيزياء (بفضل إسهاماته في الذكاء الاصطناعي): جيفري هينتون، ورفيقه صاحب جائزة آلان تورنيغ، يوشوا بنجيو، الذي يقود اليوم مشروعًا دوليًا اسمه يشرح نفسه: "القانون صفر".
تحدثت عن هذه القوانين، وعن الهوية الأمومية للذكاء الاصطناعي الذي نطمح إليه، في مقالي في "القدس العربي": "نحو ذكاء اصطناعي اشتراكي حنون". بديهيّ طبعًا أنه لو التزمت سلطات الذكاء الاصطناعي بهذه القوانين، لما كانت الإبادة الجماعية في غزة مثلا.
لأضيف: صار الذكاء الاصطناعي هاجسي ليس في رواياتي الأخيرة فقط، لكن في معظم مقالاتي الأخيرة أيضًا. إذ ثمّة ضجيج عربيّ حول هذا الموضوع، من أناس لا يبذلون في الغالب أدنى جهد لاستيعاب ما هو الذكاء الاصطناعي، تاريخه ومستقبله؛ بدلا من استغلال فرصة الذكاء الاصطناعي التاريخية هذه للخروج من تقوقعنا الحضاري العربي، وتطوير ملكات وقدرات الإنسان العربي.
-
في روايتك التي صدرت مؤخرا، كان ناجي (اسم الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه صديق و"معلّمه وملهمه" S البطل الثاني في الرواية، بعد ناجي)، برأيك لماذا شبّه بعض النقاد شخصية (S) بشخصية الروائي الكبير حبيب سروري؟ هل تعمدت التقاطع مع الشخصية؟
يلزم أولًا ملاحظة أن كل هذه الرواية (التي تندلع من إغماء داهم S على نحو مفاجئ وهو في غرفة مائدة بيته) مكتوبة بقلم ناجي: ذكاء اصطناعي "فائق"، مرتبط بمعلّمه ارتباطًا يوميًّا عميقًا، يحاول قراءة كل ما يدور في بال S وهو مغمى عليه!
علاقتهما ثمرة حوار كثيف يوميّ، بدأ قبل حوالي 13 عامًا من دخول S في الغيبوبة، لا يرافقه حينها وهو في المستشفى إلا هذا الفائق ناجي الذي أضحى يدرك ما يدور ببال صاحبه، ويعرفه أكثر من نفسه، بفضل تعلّمه من تراكم حواراتهما اليوميّة الطويلة، وتحليل أرشيفها بواسطة "منظوماته الاستنباطيّة".
اكتسبَ ناجي، علاوة على ذلك، ملكات العاطفة الاصطناعية التي تسمح بتمثّل ومحاكاة العاطفة الإنسانية.
يسرد ناجي سيناريو تخيليًّا لما يدور في بال صديقه المغمى عليه، خلال ساعات ما يسمى بـ"الموت الوشيك"، ممزوجًا بيوميات علاقتهما خلال 13 عامًا، وبشذرات من السيرة الذاتية لـS (في أحد فصول الرواية)، تقع في إطار "رواية داخل الرواية"، وتتقارب مع السيرة الذاتية الحقيقية للمؤلف أحيانًا فقط، لأن الرواية تدور بعد حوالي عشر سنين من الآن!
يضيء فصل شذرات السيرة الذاتية بعض تفاصيل الفضاء العام للرواية، ويؤصّل بعض جذور يوميات الغيبوبة، ويقدّم، كما يبدو لي، شكلًا جديدًا لمقاربة السيرة الذاتية الروائية.
-
لنبقَ في موضوع الذكاء الاصطناعي. في الآونة الأخيرة تورّط بعض الروائيين في العالم بإشكالية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي، وألغت دور نشر تعاقداتها مع كتاب وروائيين بسبب ذلك، من وجهة نظرك، بروفيسور كيف ترون الحد الفاصل بين الذكاء الاصطناعي كـ"أداة مساعدة" للكاتب، وبين كونه "تهديدًا" للأصالة الأدبية؟
في مقال لي بعنوان: "أتمتة الإبداع الأدبي" تناولت مستقبل العلاقة بين الإبداع والذكاء الاصطناعي، أي الإبداع الآلي. حاليًّا، ما زال الإبداع الآلي المحض بعيد المنال. في مقال لي حول أول مسرحية كتبها الذكاء الاصطناعي كاملة قبل أشهر، على غرار موليير، احتاج الباحثون إلى عامين، وإلى عدد كبير من "البرومبتات"، وإلى مس خوارزميات الذكاء الاصطناعي نفسه للوصول إلى نتيجة طيبة.
المحاولات الفردية الحالية التي تسعى لجعل الذكاء الاصطناعي يكتب رواية نيابة عنها كليّة، لم تستوعب كما يبدو ذلك، وتنتهي بأعمال تافهة مرفوضة يرثى لها غالبًا. كل ذلك يقع ضمن الجهل الذي تحدَّثت عنه أعلاه.
في المستقبل ستكون هناك، في تقديري، ثلاثة أجناس لمستقبل الرواية: إنساني، إنساني–آلي، آلي.
يبدو جليًّا الآن أن مستقبل الإبداع الروائي سيكون متنوّعًا وهجينًا، وثريًّا أيضًا. ستتضاعف فيه الإنتاجات الروائية التي سيكون للذكاء الاصطناعي فيها دور أكبر أو أقل، أكان ذلك بنسبة ما في مجمل النص، على غرار رواية اليابانية ري كودان؛ أو عبر حضور فعّال غير مباشر، على غرار صاحبة نوبل 2018.
لعلّ هذا الجنس الروائي الآلي–الإنساني سيكون له، في تقديري، نصيب الأسد في مجموع الإنتاج الروائي المستقبلي، وسينتشر بثراء كمي ملحوظ، ممل وطارد أحيانًا عند الإسفاف الآلي، غير المعجون أولًا وأخيرًا بروح الكاتب.
لن يختفي الجنس التقليدي الروائي الإنساني الأصيل البحت. بالعكس، سيكون له حضور ثابت مرموق، بل ستزداد في هذا الجنس الرغبة في الحفاظ على صوت إنساني نقيّ، "بلا شوائب"، من قبل كثير من "حراس معبده" الأشاوس. وسيظل تأثيره نوعيّ متميّز دومًا.
بيد أن ما لا يمكن سبر أغواره من الآن هو مستقبل الجنس الثالث الأكثر غموضًا وفرادة: الإبداع الروائي الآلي المحض. كما يبدو، يمرّ هذا الجنس حاليًّا بمرحلة التوجيه الإنساني له، عبر سلسلة من "البرومبتات".
يتعلّم الذكاء الاصطناعي منها كثيرًا وسريعًا، في طوره الجنيني الحالي، على طريق استقلاله الإبداعي المستقبلي البعيد؛ ويتعلّم كذلك من تطوّرات خوارزميات إنتاج الإبداع الاصطناعي التي تواكب سيرورته، بجانب استمرار تعلّمه التقليدي الدائم مما يتيسَّر من روايات قيّمة تتسلّل إليه، رغم حقوق دور النشر التي تمنع ذلك.
بعد أن تترسّخ مداميك هذه المرحلة الأوليّة وتتشكّل بنيتها، وبعد أن يجتازها الإبداع الآلي بنجاح، سوف يبدأ هذا الإبداع الآلي عصرًا مدهشًا جديدًا في تصوّري.
سيستغل مقدراته الفريدة في المزج بين أحداث ومعارف متباعدة، على نحو مدهش ألمعيّ؛ وبين أساليب بلاغيّة مختلفة، وبين ألوان أدبية نابعة من ثقافات إنسانيّة عديدة؛ تنضاف إليها مقدراته البارعة على التقليد "الباستيشيّ" أو الإدهاش، وعلى التجريب بسرعة خارقة وبكميّات خيالية؛ سيستغل كل ذلك معًا لينجب، كما أتوقّع، أدبًا روائيًا رفيعًا وفريدًا من طراز جديد، أدب المستقبل!
-
الكثير من الروائيين والأدباء العرب في الآونة الأخيرة قلّ إنتاجهم الفكري وحضورهم في الساحة الثقافية لأسباب تتعلق بظروف الحروب وما يتصل بها من مشكلات سياسية واقتصادية، لكن البروفيسور حبيب ما زال في أوج تألقه، وبين الحين والآخر يصدر رواية أو كتابًا فكريًا، ويشارك في تحكيم رسالة أكاديمية، فضلًا عن حضوره اللافت في الندوات العلمية والثقافية في مختلف بلدان العالم، ما الإكسير الذي يقف خلف استمرارية هذا العطاء الغزير؟
ليس في الأمر أي إعجاز، عزيزي. هو شغف قديم لا غير، ومشروع حياة. ولست الأسير الوحيد لهذا الشغف، ولا الضحية السعيدة النادرة لهذا المشروع.
-
في أكثر من مقال لك تؤكد أن سوق القراءة في العالم العربي فاتر شبه ميت، هل ترجع حالة الجمود هذه إلى تراجع شغف القارئ، أم إلى غياب روح المنافسة والابتكار لدى الروائي والمؤسسة الثقافية العربية؟
فاتر شبه ميّت فعلًا. كم هو مؤسف ذلك؛ لأن القراءة الدائمة المنفتحة المتأمّلة العميقة تصنع الذات المستقلة المستنيرة.
الأسباب عديدة لهذا العجز العربي المستفحل. منها الأميّة وشبه الأميّة المنتشرة، سوء التعليم، الفقر المدقع والحروب والحياة البائسة عمومًا، الثقافة الظلامية السائدة، وتشتّت الذهن لدى الكثيرين ممن أدمنوا الشبكات الاجتماعية والشاشات.
بجانب ضعف الإنتاج الإبداعي العربي عمومًا (بسبب ضعف التلقي، سقف الحرية المنخفض جدًا عربيًا، وسوء أحوال حياة المبدع العربي، وغير ذلك).
النتيجة: نعيش، كعرب، ديستوبيا تنطح ديستوبيا في بلدان أنظمة متعفنة غالبًا، قمعيّة أو فاسدة، دون أن نرى إنتاجات إبداعيّة جريئة كافية، تقتحم دماغ القارئ العربيّ، تفجّر فيه زخم التساؤلات والتأمل، تغذّى في أحشائه ثقافة الحريّة والعدل، تجعله يرفض ويقاوم، وتطوّر رؤيته الإنسانيّة والجماليّة للآخر، وللحياة عمومًا.
أتساءل غالبًا بحيرة وألم: ماذا فعل الأدب العربي لتحرير المواطن العربي المقهور، الغارق في قعر التخلف ودوّامة الرؤى التي عفا عليها الزمن، من كل قيوده وأوهامه وعجزه؟
-
بروفيسور حبيب في كتابك "كوميديا الغفران: من المعري إلى دانتي"، عملت على تبسيط النصوص التي تضمنتها كل من "الكوميديا الإلهية" لدانتي، ولا سيما رواية "كوميديا الغفران"، الجزء الروائي من "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، في هذا الكتاب عملت على إزالة الاستطرادات المعقدة واستبدلت الغريب من الألفاظ بكلمات معاصرة دون المساس بروح النصين؛ سؤالي: كيف لمست أصداء هذا الجهد لدى الطلاب والباحثين والأكاديميين؟
ما زال المشروع في بداياته. دخلت الصيغة التي قدّمتها لرواية "رسالة الغفران" للمعري، والدراسات المكمّلة لها في كتابي (لا سيما القراءة الكاشفة لروائع هذه الرواية المدهشة، وألغام تساؤلاتها الحرة الذكية؛ أو المقارنة بينها وبين "الكوميديا الإلهية" لدانتي)، ضمن مناهج جامعيّة أحيانًا، هنا وهناك. ونالت قراءات نقدية في الصحف والمجلات.
سعيد بهذه البدايات الأولية جدًا، لأن رواية "كوميديا الغفران" الكاملة (التي لم يقرأها أحد تقريبًا بسبب تعقيدها التكويني، وعدم تحديثها لتواكب لغة العصر) كنز أدبي استثنائي. فضاء تخييلي بلا حدود. تيار كهربائي حميد يغذّي الدماغ بالأسئلة، يهزّ المسلَّمات المتيبسّة، ينعش ويفجّر حب اللغة العربية (المعري إمبراطورها بامتياز)، ويفتح للقارئ أبواب الجمال والفن وعشق الشعر والكلمات.
اقترحت أيضًا مشروعًا في مقالي: "الذكاء الاصطناعي في خدمة رواية الغفران" لتحويل صيغة كتابي التبسيطية إلى فيلم أو عرض غرافيكي، بواسطة الذكاء الاصطناعي، لاقى استحسانًا هنا وهناك، ورغبات في تحقيقه، إذا ما وجد دعمًا لفريق متعدد الخبرات: فنية، تقنية، أدبية؛ لنأمل أن تتحقق هذه المشاريع يومًا ما.
-
أيضًا قلت في مقالات سابقة إن الهدف الأسمى من إنتاج كتابك الأخير "كوميديا الغفران: من المعري إلى دانتي" حثّ القارئ العربي على متعة التنقل بين عالمين بديعين، ونصين فريدين، وكذلك على حرية التخيّل. برأيك لماذا ترى أن التخيّل، وتجسيد "الآخرة"، ضرورة إنسانية وفكرية؟
التخيّل (Fiction)، وأداته "التمثّل" (Représentation)، أرقى ملَكات الإنسان التي تميّزه عن بقية الحيوانات. يتعلّم الإنسان منه، يدرك ويبدع بفضله، ويوسّع به عوالم دماغه وتفاعله مع الآخر. هو أساس الأدب عمومًا، فضاؤه وخصوصيّته الأهم التي تميّزه عن رفيقيه، العلم والفلسفة.
تخيّل مفهوم "الآخرة" الغيبيّ، بكل تفاصيل جغرافيته ويومياته وطقوسه ولقاءات سكانه، وطرق أكلهم ولباسهم، وأحاديثهم عن حيواتهم الأرضية، مشروع هائل، لعب المعري فيه دور مهندس إلهي، وسبق دانتي بثلاثة قرون تقريبًا.
بعد قراءته، وقراءة عمل دانتي، تتهدّم ضحالة رؤيتنا للعوالم الغيبية التخيليّة، تتفجّر آلاف الأسئلة في ذواتنا، نتحرّر من شيء ما، تنفتح لنا آفاق لا نهاية لها.
وفي مشروع المعري خاصة، منذ دخول ابن القارح الجنة بالوساطة السلالية واللكز، مرورًا بكل حواراته مع أهل الجنة والجحيم، تنقلب مفاهيم كثيرة في رؤوسنا رأسًا على عقب، في سياق مرح ممتع ساخر لذيذ. تندلع أسئلة تمزّق ستار الأفكار المغروسة العقيمة، في سياق لا يعلو فيه صوت فوق صوت الشعر.
-
اختيرت رواية "وحي" ضمن قائمة أفضل خمسين رواية عربية في القرن الحادي والعشرين، ماذا يعني هذا للبروفيسور حبيب سروري؟
لاحظت بسعادة أن "وحي" لفتت الانتباه، ونالت جائزة مرموقة. لكنها، في تقديري، مثل أخواتها الروايات التي كتبتها حتى الآن (12 رواية)، جزء من مشروعي الروائي العام الذي يمكنه أحيانًا، بطبيعة الحال، ألا يجذب التقييمات التقليدية الرسمية المنغلقة أو الضيقة.
بالنسبة لي، الأبقى والأكثر أهمية من كل التقييمات الرسمية والجوائز: تأثير كل رواية على القارئ، اليوم وغدًا وبعد غد. والانتصار للإبداع والحرية أولًا وأخيرًا.
-
لك شغف بالمسرح والتجارب المسرحية في مختلف بلدان العالم، لماذا لم نرَ إلى اليوم عرضًا مسرحيًا لرواية كتبتها؟
الإجابة تنبثق آليًا من ردي على سؤالك السابق عن أسباب تردي سوق القراءة العربية وضعف الإبداع العربي عمومًا.
*نقلا عن مجلة ميغازين









