في دهاليز السياسة الدولية، يسود افتراض بأن الحروب تنتهي حينما تصبح وطأة القتال لا تطاق، فيلجأ الأطراف إلى الدبلوماسية. لكن الدبلوماسية تتطلب محاورين يمتلكون الثقل السياسي والسلطة اللازمة لإبرام الاتفاقات؛ فإذا أُقصي هؤلاء، تفقد الحرب وسطاءها وتتلاشى معها إمكانية التوصل إلى تسوية.
تثير هذه المعادلة تساؤلات جوهرية بعد التقديرات الأخيرة التي أشار إليها السير جون سويرز، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، بشأن اغتيال علي لاريجاني في سبتمبر 2026. فوفقاً لرؤيته، لم يكن استهداف لاريجاني نابعاً من دوره في المجهود الحربي الإيراني، بل لكونه أحد الشخصيات القليلة القادرة على التوصل إلى صفقة مقبولة للطرفين.
نمط متكرر لا صدفة
إن اغتيال رئيس حكومة أو قائد عسكري يخلق فراغاً يسارع الآخرون لملئه، لكن اغتيال مفاوض يخلق فراغاً أكثر خطورة: فراغ الاعتدال. فغالباً ما يكون خليفة المفاوض المغتال أكثر تشدداً، لأن المتشددين هم من يبقون في الواجهة، مما يعزز قناعة الطرفين بأن الدبلوماسية كانت مستحيلة منذ البداية، وهو تكتيك يصبح نبوءة ذاتية التحقق.
هذا النهج له سوابق تاريخية، بدءاً من اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت عام 1948، وصولاً إلى اغتيال محسن فخري زاده عام 2020، الذي قرأه مراقبون كعقبة متعمدة أمام إحياء الاتفاق النووي في عهد إدارة بايدن.
من المسار السياسي إلى الفاعلين غير الحكوميين
لا تقتصر هذه الاستراتيجية على الدول، بل تطبقها إسرائيل على الفاعلين غير الحكوميين أيضاً:
- عباس الموسوي (1992): أدى اغتياله إلى صعود حسن نصر الله، الذي قاد تحول حزب الله إلى قوة عسكرية أكثر قدرة.
- إسماعيل هنية (2024): اغتيل أثناء انخراطه في مفاوضات وقف إطلاق النار، مما أدى إلى انتقال السلطة ليحيى السنوار وتوقف مسار التفاوض تماماً.
من منظور استراتيجي إسرائيلي، قد تبدو هذه الخطوات متسقة وليست مجرد انتقام؛ فبالنسبة لدولة تعتبر النظام الإيراني تهديداً وجودياً، فإن النتيجة المرجوة ليست تسوية مع نظام قائم، بل انهياره. إن إبرام صفقة مستدامة مع براغماتي قد يضفي استقراراً على النظام الذي تسعى إسرائيل لإسقاطه.
استراتيجية محفوفة بالمخاطر
على الرغم من أن الذريعة الإسرائيلية غالباً ما تكون عسكرية ووقائية، إلا أن النتائج تظل غير مؤكدة. فإزالة القادة لم تؤدِ دائماً إلى ليونة الخصم، بل في كثير من الأحيان أنتجت خلفاء أكثر تشدداً وإصراراً على المواجهة. وفي الحالة الإيرانية، يبدو أن إسرائيل تراهن على صناعة الفوضى السياسية الداخلية كتعريف ثانٍ للنصر يتجاوز مجرد العمليات العسكرية.
يبقى السؤال الأكبر الذي يواجه هذه الاستراتيجية: إذا استمرت إسرائيل في إفراغ طاولة المفاوضات من الشخصيات القادرة على إبرام الصفقات، فمع من سيتسنى لها صنع السلام حينما يحين أوان إنهاء الحرب؟ إن استراتيجية الانتصار في الميدان عبر تدمير قنوات التواصل قد تؤدي في نهاية المطاف إلى واقع لا يجد فيه أحد القدرة على وضع حد للنزاع.





