تشهد كازاخستان تحولاً جذرياً في استراتيجيتها الوطنية، حيث تسعى لترسيخ مكانتها كمركز إقليمي رائد في مجال الذكاء الاصطناعي. لم يعد الأمر مقتصرًا على الأبحاث النظرية، بل امتد ليشمل تعيين أول برنامج ذكاء اصطناعي يتمتع بحقوق التصويت في مجلس إدارة صندوق الثروة السيادي سامروك-كازينا، وذلك في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة.
عام الرقمنة والذكاء الاصطناعي
أعلن الرئيس قاسم جومارت توكاييف عام 2026 عاماً للرقمنة والذكاء الاصطناعي، بهدف إدخال التقنيات المتقدمة في كافة قطاعات الاقتصاد، وتطوير المهارات البشرية، ودعم الشركات الناشئة، وتعزيز المحتوى الرقمي باللغة الكازاخية. وقد توجت هذه الجهود بتأسيس وزارة خاصة للذكاء الاصطناعي والتطوير الرقمي، وإقرار خطة عمل استراتيجية تمتد حتى عام 2029 تشمل رقمنة قطاعات الصحة، والخدمات العامة، والضرائب، والطاقة، بالإضافة إلى إدراج محو الأمية الرقمية في المناهج التعليمية.
وفي إنجاز تشريعي بارز، أصبحت كازاخستان في عام 2025 ثاني ولاية قضائية في العالم، بعد الاتحاد الأوروبي، تسن قانوناً شاملاً ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي.
مراكز الابتكار والتمكين الاجتماعي
في العاصمة أستانا، أصبح أستانا هاب (Astana Hub) المحرك الرئيسي لهذا التحول، حيث يضم متحفاً للذكاء الاصطناعي ومراكز تدريب متطورة. ويوفر المركز برامج مجانية لتعليم البرمجة والذكاء الاصطناعي التوليدي، مع التركيز على مدرسة الغد التي تهدف إلى صقل المواهب التقنية الشابة.
تقول فاليريا تيو، المديرة الإدارية لـ أستانا هاب: نحن نبحث عن أفضل المواهب؛ فمن بين 25 ألف طلب تلقيناه، قبلنا أقل من 2 بالمائة فقط. هذا المركز يمثل مصعداً اجتماعياً حقيقياً، حيث تمكنا من تحويل أشخاص من خلفيات مهنية بسيطة إلى مطوري برمجيات محترفين.
الذكاء الاصطناعي باللغة المحلية
في جامعة نزارباييف، نجح معهد الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي في تطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم اللغة الكازاخية، مثل نموذج MagniSoz وOylan. يوضح يربول أبسالاموف، المدير التنفيذي للمعهد، أن الهدف هو حماية البيانات الوطنية والحفاظ على الهوية الثقافية.
نحن لا نكتفي باستخدام النماذج العالمية، بل نبني نماذجنا الخاصة التي تعكس تاريخنا وتقاليدنا وعقليتنا الفريدة، مع ضمان بقاء البيانات داخل حدود الدولة، يضيف أبسالاموف.
تحديات المستقبل: الطاقة والحقوق
رغم الطموحات الكبيرة، تواجه كازاخستان تحديات تقنية وبيئية. يشير الخبراء إلى أن مراكز البيانات الضخمة تتطلب استهلاكاً هائلاً للطاقة والمياه، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية للطاقة تعاني من القدم. كما تثار تساؤلات حول شفافية التقييمات البيئية لعمليات التبريد، بالإضافة إلى المخاوف المتعلقة بالخصوصية وحقوق الإنسان مع التوسع السريع في تقنيات التعرف على الوجه والقياسات الحيوية، وسط مطالب بضرورة وجود رقابة عامة صارمة على هذه الأدوات الرقمية.





