من السهل النظر إلى اللحظة الخليجية الراهنة بوصفها مرحلة انتظار مفتوحة على الاحتمالات: الحرب توقفت من دون أن يبدأ السلام، والمفاوضات مستمرة من دون تسوية الملفات الكبرى، والممرات البحرية تعمل تحت ظل قابلية دائمة للتعطيل. لكن هذا التصور قد يكون مضللاً؛ لأنه يفترض ضمناً أننا نعيش اضطراباً مؤقتاً في نظام إقليمي ثابت، بينما قد تكون الحقيقة أن الاضطراب نفسه أصبح جزءاً من النظام الجديد.
السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم بالنسبة لدول الخليج لم يعد متى تنتهي الأزمة؟، بل كيف يُبنى نموذج اقتصادي قادر على الازدهار في منطقة قد لا تستعيد استقرارها السابق؟.
أكبر خطأ إستراتيجي يمكن أن ترتكبه دول الخليج الآن هو التعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها اضطراباً مؤقتاً يسبق العودة إلى ما كان عليه العالم. فقد لا يعود ذلك العالم أبداً.
الحرب بين السياسة والاقتصاد
لفترة طويلة، تعاملت دول الخليج مع الاقتصاد والأمن باعتبارهما مجالين منفصلين؛ فالسياسة تدير الأزمات، والمؤسسات العسكرية تحمي الحدود، بينما تواصل الموانئ والشركات إدارة الاقتصاد. لكن الحرب الأخيرة أضعفت هذا الفصل؛ فعندما يصبح مضيق هرمز أو البحر الأحمر جزءاً من الصراع، تنتقل الأزمة فوراً إلى شركات التأمين، وأسعار الشحن، وسلاسل الإمداد.
إن طهران ليست مضطرة لخوض حرب شاملة لفرض تكلفة إستراتيجية؛ فمساحة اللاحرب واللاسلم تتيح أدوات مثل الهجمات السيبرانية، والتهديد بإغلاق المضائق، والضغط على الملاحة. هذه الأدوات لا تُغلق الاقتصاد الخليجي، لكنها ترفع تكلفة تشغيله، مما يجعل المستثمر يضيف علاوة مخاطر جيوسياسية إلى حساباته.
كان العصر السابق عصر إدارة الوفرة؛ أما العصر الذي يتشكل الآن فهو عصر إدارة المخاطر. والفارق بين الدول التي ستنجح وتلك التي ستدفع الثمن لن يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات، بل بقدرتها على مواصلة العمل.
من الحماية إلى المناعة الإستراتيجية
لا تستطيع السياسة الخليجية أن تقوم على منع الحرب وحده، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى تقليل الثمن إذا وقعت الأزمة. إن امتلاك منظومات دفاع متطورة لا يحل المشكلة كاملة؛ إذ يمكن اعتراض صاروخ، ولكن لا يمكن اعتراض ارتفاع أقساط التأمين أو تأثر سلاسل الإمداد.
من هنا، تبرز ضرورة الانتقال إلى مفهوم المناعة الإستراتيجية، والتي تعني استمرارية عمل الدولة حتى عند وقوع الصدمة. وهذا يتطلب:
- تطوير خطوط أنابيب بديلة وممرات لوجيستية متعددة.
- تعزيز المخزونات الإستراتيجية للغذاء والدواء والطاقة.
- تطوير قدرات سيبرانية مشتركة وحماية الكابلات البحرية ومراكز البيانات.
- جعل الاقتصاد أقل اعتماداً على بقاء الممرات البحرية مفتوحة طوال الوقت.
إعادة صياغة نموذج النمو
إن التحدي الخليجي اليوم يتجاوز إدارة الأزمة مع إيران؛ فالنظام الدولي نفسه أصبح أقل استقراراً، والتجارة أصبحت أكثر تسييساً، والتكنولوجيا صارت جزءاً أصيلاً من الأمن القومي. لذا، فإن الميزة التي امتلكتها دول الخليج طويلاً -الطاقة والجغرافيا- ستظل مصدراً للقوة، لكنها لن تكون كافية بمفردها.
المرحلة المقبلة تتطلب معادلة مختلفة: تحويل الثروة إلى قدرة على امتصاص الصدمات، والجغرافيا من مصدر انكشاف إلى شبكة بدائل، والاستثمار من مجرد بحث عن العائد إلى أداة لبناء المرونة والاستقلال الإستراتيجي.





