الحياد السويسري على المحك: هل يفرض الواقع الجيوسياسي إعادة تعريف المفهوم التاريخي؟
متابعات-المشاهدات: 42

في السابع والعشرين من سبتمبر، يتوجه الناخبون في سويسرا إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم حول مبادرة دستورية تهدف إلى ترسيخ تعريف أكثر صرامة للحياد السويسري. تسعى المبادرة إلى منع سويسرا من التعاون مع أي تحالف عسكري إلا في حال تعرضها لهجوم مباشر، كما تهدف إلى تقييد فرض أي عقوبات على الدول المتحاربة ما لم تكن هذه العقوبات مفروضة بقرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ورغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى فشل المبادرة، حيث يخطط 63% من الناخبين لرفضها، إلا أن هذه النتيجة لا تعكس تراجع الإيمان بالحياد، بل تكشف عن فجوة بين النقاش الدائر حول النصوص الدستورية والواقع الاستراتيجي الذي يفرض تساؤلات حول كيفية تحقيق الأمن والازدهار في عالم متغير.

تحولات ما بعد عام 2022

نشأت هذه المبادرة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث وجدت سويسرا نفسها في موقف غير مسبوق بتبنيها عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، مما أثار جدلاً قانونياً وسياسياً حول مدى توافق هذه الإجراءات مع مبدأ الحياد. وقد حدد التقرير ثلاثة متغيرات جوهرية غيرت قواعد اللعبة:

  • طبيعة التهديد الروسي: انتقل التهديد من النزاع الإقليمي التقليدي إلى حروب أوروبية أوسع تؤثر على سويسرا عبر الفضاء السيبراني، وأمن الطاقة، وسلامة سلاسل الإمداد، وهو ما لا يمكن مواجهته بسياسة العزلة.
  • السياسة التجارية الأمريكية: أثبتت التوترات التجارية الأخيرة وفرض واشنطن لتعريفات جمركية على الصادرات السويسرية أن الحياد لا يمنح حصانة اقتصادية، وأن المصالح الوطنية للدول الكبرى تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية.
  • الثقل الاقتصادي للصين: مع تعميق العلاقات التجارية مع بكين، أصبح أي توجه لفرض عقوبات على الصين في أزمات مستقبلية (مثل تايوان) يحمل تكاليف اقتصادية باهظة لا تقارن بتلك التي ترتبت على العقوبات ضد موسكو.

الأسئلة الغائبة عن صناديق الاقتراع

بعيداً عن الجدل القانوني حول المبادرة، يرى الخبراء أن سويسرا تواجه تحديات وجودية تتطلب إجابات عملية، أهمها:

  1. مستوى التعاون مع الناتو: كيف يمكن لسويسرا تعزيز قدراتها الدفاعية وتنسيق راداراتها مع جيرانها دون أن تفقد مصداقية حيادها وتصبح عضواً وظيفياً في تحالفات عسكرية؟
  2. الفجوة الدفاعية: تعاني سويسرا من انخفاض في الإنفاق الدفاعي، حيث من المتوقع ألا يصل إلا إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، وهو ما يضعف قدرة البلاد على حماية مجالها الجوي والبري، ويجعلها معتمدة على الآخرين في أوقات الأزمات.
  3. الردع مقابل الحياد: تفرض اتفاقيات لاهاي لعام 1907 على الدولة المحايدة منع المتحاربين من استخدام أراضيها، مما يتطلب امتلاك قدرات ردع حقيقية، إذ أن الحياد القانوني لا قيمة له ما لم تدعمه قوة دفاعية ذاتية.

في نهاية المطاف، يكمن الخطر في تحويل معضلة استراتيجية كبرى إلى مجرد نقاش قانوني حول نصوص دستورية. إن الحياد في القرن الحادي والعشرين لم يعد مسألة تجنب الانحياز، بل أصبح مسألة تتعلق بالقدرة على حماية الأمن والاقتصاد في بيئة دولية لا تعترف إلا بالقوة والفاعلية.

متعلقات