في قرية المغير شمال شرق رام الله، يقف بلال أبو عليا متأملاً ما تبقى من أرض عائلته التي تبلغ مساحتها 0.4 كيلومتر مربع. لم تعد العائلة تملك حق الوصول إلا لمساحة صغيرة تحيط بمنزلهم وعدد قليل من أشجار الزيتون، بعد أن ابتلعت إجراءات التوسع الاستيطاني القسم الأكبر من أراضيهم.
لا تقتصر سياسة مصادرة الأراضي في الضفة الغربية على الاستيلاء المباشر، بل تبدأ غالباً من هندسة الخرائط عبر ما يعرف بـ فريق الخط الأزرق التابع للإدارة المدنية الإسرائيلية. تأسس هذا الفريق عام 1999، ويضم مساحين وخبراء قانونيين مهمتهم إعادة تعريف وتحديد مساحات الأراضي لتصنيفها كـ أراضي دولة، وهو ما يمهد قانونياً -وفق المنظور الإسرائيلي- لاستخدامها لاحقاً في مشاريع استيطانية غير قانونية بموجب القانون الدولي.
من تصحيح تقني إلى أداة توسع استيطاني
بينما تدعي الإدارة المدنية الإسرائيلية أن عمل الفريق يقتصر على تصحيحات تقنية لأخطاء مساحية تاريخية، تؤكد الأمم المتحدة أن هذه المراجعات أدت فعلياً إلى توسيع نطاق الأراضي المصنفة كأملاك دولة. وفي الآونة الأخيرة، تحول هذا الفريق إلى أداة لتسريع الاستيطان، حيث أعاد رسم حدود مناطق في شمال ووسط الضفة الغربية، بما في ذلك أراضٍ تابعة لقرى جالود، قريوت، ترمسعيا والمغير.
تجريف الأشجار وسلب الأرزاق
في أغسطس 2025، شهدت قرية المغير عملية عسكرية واسعة استُخدمت فيها الجرافات لاقتلاع آلاف أشجار الزيتون. يروي بلال أبو عليا: أُبلغنا بأن أرضنا تحولت إلى منطقة عسكرية مغلقة، ثم إلى أراضي دولة. شاهدنا أشجار الزيتون التي زرعها أجدادي قبل قرن تُجرف أمام أعيننا.
تتعدد أساليب السيطرة؛ فبعد إعلان الأرض منطقة عسكرية، لاحظ الأهالي دخول مستوطنين لزراعتها تحت حماية الجيش. وعندما حاولت عائلة أبو عليا الاعتراض قانونياً، وُوجهت بمهلة زمنية تعجيزية (ثلاثة أيام فقط)، بينما كانت الجرافات تعمل بالفعل على الأرض.
نظام متكامل للسيطرة
يرى خبراء مثل صلاح الخواجة، المسؤول في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن فريق الخط الأزرق ليس سوى ترس في آلة أكبر تضم الطرق الالتفافية، البؤر الرعوية، والجدار الفاصل، تهدف جميعها لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج). ويؤكد الخواجة أن المسار القانوني والمحاكم الإسرائيلية لم تعد توفر أي حماية للفلسطينيين في نزاعات الأرض.
بالنسبة لعدنان كميل، البالغ من العمر 62 عاماً، لم تكن الأرض مجرد ملكية، بل كانت مصدراً لرزق أكثر من 70 فرداً من عائلته، حيث كان إنتاج الزيت يصل إلى 5000 كيلوغرام في الموسم الواحد. يقول كميل بحسرة: لم نتلقَّ إخطاراً رسمياً واضحاً، وفوجئنا بالجرافات تقتلع أشجاراً عمرها 60 عاماً لإقامة موقع عسكري. الاعتراض لم يعد مجدياً في ظل واقع يمنعنا حتى من الاقتراب من أراضينا.





