البوسنة والهرسك: لماذا تعجز صناديق الاقتراع عن كسر عقدة دايتون بعد 30 عاماً؟
متابعات-المشاهدات: 54

بعد مرور ثلاثة عقود على اتفاق دايتون للسلام الذي أنهى الحرب في البوسنة والهرسك، لا تزال البلاد تعيش حالة من الجمود السياسي. فرغم إجراء عشر انتخابات عامة، إلا أن بنية الدولة التي صُممت لتقاسم السلطة بين الجماعات العرقية الثلاث أصبحت عائقاً أمام أي تغيير حقيقي، حيث تحولت الانتخابات إلى مجرد تدوير للنفوذ بدلاً من كونها أداة للتطوير.

في الانتخابات الأخيرة، شهدت البلاد استخدام تقنيات بيومترية والفرز الإلكتروني للمرة الأولى، مما رفع من كفاءة العملية الانتخابية، إلا أن النتائج أعادت إنتاج المشهد المألوف، وهو ما يعود إلى أربع عقد هيكلية متجذرة في نظام الحكم:

1. الانقسام العرقي في بطاقة الاقتراع

يفرض النظام الانتخابي في البوسنة قيوداً صارمة تعتمد على الهوية العرقية ومكان الإقامة، مما يحرم فئات واسعة من المواطنين من اختيار مرشحيهم بحرية. فالبناء السياسي مقسم بحيث لا يمكن لصربي في سراييفو التصويت لمرشح صربي، ولا يحق للأقليات أو من يرفضون التصنيف العرقي الترشح. هذا النظام، الذي وصفته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالتمييزي، جعل الناخبين حبيسي ولاءاتهم العرقية، مما أدى إلى وجود ثلاثة أنظمة حزبية منفصلة لا تتقاطع.

لا يضمن الفوز في الانتخابات في البوسنة بالضرورة القدرة على الحكم؛ فدستور دايتون يشترط تشكيل ائتلاف موسع من الأحزاب البوشناقية والكرواتية والصربية، وتمارس حقوق النقض (الفيتو) على المستويات كافة؛ إذ يستطيع أي عضو في رئاسة الدولة الطعن في أي قرار باعتباره إضرارا بالمصلحة الحيوية للسكان الذين يمثلهم.

2. دولة ذات طوابق معقدة

تخضع البلاد لنظام فدرالي متداخل تتوزع فيه الصلاحيات بين الدولة، والكيانين، والكانتونات، والبلديات. هذا التشتت في الصلاحيات، مع وجود المندوب السامي الذي يمتلك صلاحيات فرض القوانين وإقالة المسؤولين، خلق حالة من الشلل في التنسيق، حيث يبرز العامل العرقي في إدارة قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، مما يجعل من الصعب اتخاذ قرار وطني موحد.

3. الأحزاب كوكالات توظيف

تهيمن الأحزاب القومية الكبرى على مفاصل الدولة منذ ثلاثة عقود، مستخدمة موارد الدولة والشركات العامة كأدوات لضمان الولاء الانتخابي. هذه الأحزاب لا تعمل ككتل سياسية برامجية، بل كحركات قومية توفر الأمن العرقي مقابل الفساد وسوء الإدارة. وتُتخذ القرارات الفعلية في مقار هذه الأحزاب بعيداً عن أروقة البرلمانات.

أسفرت انتخابات عام 2026 عن فائزين جدد على بعض المستويات، لكنها لم تحدث تغييرا جوهريا. فقد استعاد الاتحاد الديمقراطي الكرواتي للبوسنة والهرسك مقعد الرئاسة الكرواتي، في حين تصدر حزب العمل الديمقراطي المشهد في برلمانَي الدولة والاتحاد، مما يؤكد أن الأحزاب الممثلة للجماعات العرقية الرئيسية تظل ركيزة أساسية للحكم.

4. الإفراط في استخدام الفيتو

تحولت حقوق النقض العرقي، التي وُضعت أصلاً كصمام أمان لحماية المكونات، إلى أداة لتعطيل الميزانيات والتشريعات. هذا التعطيل لا يقتصر على الرسميات، بل يمتد إلى المقاطعة السياسية، مما يجعل تشكيل الحكومات عملية تستغرق أشهراً طويلة وتخضع لمساومات القادة خارج إطار المؤسسات.

ختاماً، بينما أحدثت التقنيات الجديدة في الانتخابات الأخيرة نقلة نوعية في الشفافية والنزاهة، إلا أن التغيير الجوهري لا يزال رهين إصلاح دستوري يتجاوز إرادة النخب الحالية. فالبوسنة اليوم بحاجة إلى حوار مجتمعي يشارك فيه جيل جديد لتحديد شكل الدولة، بعيداً عن عقد دايتون التي باتت تحكم البلاد من الماضي.

غالبا ما تتخذ القرارات الفعلية داخل مقار الأحزاب؛ فقادة الأحزاب -وليس الكتل البرلمانية- هم من يوجهون تصويت أعضاء البرلمان، كما يرفع مديرو الشركات العامة تقاريرهم إلى مقار الأحزاب جنبا إلى جنب مع مجالس إداراتهم. وتهدف هذه السياسات غير الليبرالية إلى البقاء في السلطة بأي ثمن.
متعلقات