في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر الجاري، وسط أجواء سياسية يهيمن عليها ملف الأمن القومي، يبرز الاقتصاد الإسرائيلي كظاهرة لافتة؛ إذ يواصل تسجيل معدلات نمو متسارعة رغم تبعات الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام على جبهات متعددة في الشرق الأوسط.
تُظهر الأرقام الحكومية تعافياً ملحوظاً؛ حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.9% في عام 2025، مرتفعاً عن نسبة 1% المسجلة في 2024، مع توقعات من بنك إسرائيل بنمو يصل إلى 4% في عام 2026 و5.5% في 2027، وهي أرقام تتجاوز التوقعات الخاصة بالعديد من الاقتصادات الكبرى عالمياً.
محرك النمو: قطاع التكنولوجيا
يعود الفضل في هذه المرونة الاقتصادية بشكل رئيسي إلى قطاع التكنولوجيا، الذي يمثل خُمس النشاط الاقتصادي، والذي نجح في جذب استثمارات قياسية وسط طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية. وقد وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستوى قياسي بلغ 26.2 مليار دولار العام الماضي، بزيادة قدرها 78% عن عام 2024، مدعومة باستحواذات كبرى لشركات أمريكية على شركات سيبرانية إسرائيلية.
وفي هذا السياق، تؤكد كارين أوزييل، كبيرة المحللين في إيكونوميست إنتليجنس يونيت (EIU)، أن قصة الاقتصاد الإسرائيلي هي قصة مدفوعة بالتصدير تعكس طلباً عالمياً قوياً على التكنولوجيا، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، مما يعزز الإيرادات الحكومية وأسواق المال.
تحديات الإنفاق العسكري والأعباء المعيشية
رغم المؤشرات الكلية الإيجابية، تفرض التكاليف الباهظة للعمليات العسكرية ضغوطاً متزايدة على المالية العامة. فقد قدر بنك إسرائيل تكاليف الحرب بنحو 350 مليار شيكل (114.6 مليار دولار) حتى مارس الماضي، وهو رقم مرشح للارتفاع مع خطط الحكومة لرفع ميزانية الدفاع لتصل إلى 9% من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى صعيد المواطن، تشير استطلاعات الرأي إلى أن تكلفة المعيشة تظل هماً رئيسياً؛ حيث أفاد 38% من اليهود الإسرائيليين و46% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بأن الاقتصاد وتكاليف المعيشة هي القضية الأهم في الانتخابات.
يؤكد الخبراء، مثل البروفيسور يوسف زيرا من الجامعة العبرية، أن الأداء الاقتصادي الفعلي يواجه صعوبات عند النظر إلى انخفاض الأجور الحقيقية وتدهور الخدمات العامة، مشيراً إلى أن وتيرة النمو كانت لتكون أفضل لولا التحديات الجيوسياسية.
آفاق المستقبل
يجمع المحللون على أن مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي مرهون بشكل أساسي بمسار الصراع الإقليمي. ورغم التوقعات المتفائلة بنمو مستمر خلال 2026 و2027، إلا أن المخاطر تظل قائمة؛ حيث يرى الخبراء أن إنهاء الحرب وتقليص الإنفاق العسكري هو السبيل الوحيد لضمان استدامة هذا النمو وتخفيف العبء عن كاهل الميزانية العامة التي تواجه تحديات هيكلية جسيمة أمام الحكومة القادمة.





