خلف أرقام الرفاهية: هل السعادة مجرد وهم أم حالة يمكن قياسها؟
متابعات-المشاهدات: 28

في عالم يغلب عليه الطابع المادي، يبدو أننا نسعى لقياس كل تفاصيل حياتنا، حتى تلك التي تبدو عصية على القياس مثل السعادة. لكن، هل يمكن فعلاً وضع السعادة في قالب رقمي أو معادلة علمية؟

يستحضر الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال معضلة الإنسان مع الزمن بقوله: لو تأمل كل منا أفكاره فسيجدها مشغولة دائماً بالماضي والمستقبل. فنحن بالكاد نفكر في الحاضر. وبينما تباينت تعريفات السعادة بين الفلاسفة، من أرسطو الذي ربطها بـ الازدهار والحياة المكتملة، إلى أبيقور الذي رآها في التحرر من الألم والاضطراب، يظل العلم اليوم يترجم هذا الشعور كيميائياً عبر تحفيز هرمونات مثل الدوبامين والأوكسيتوسين والسيروتونين.

كيف تقاس السعادة؟

يوضح الاستشاري النفسي الدكتور ريتشارد دوغينز أن مفهوم السعادة في الثقافة المعاصرة يختزل في ثلاثة جوانب رئيسية: التجربة العاطفية اليومية، الرضا العام عن الحياة، ووجود معنى وغاية للوجود. ويعتمد التقرير العالمي لمؤشر السعادة على استطلاعات الرأي التي تطلب من المشاركين تقييم حياتهم على مقياس من صفر إلى عشرة، مع قياس المشاعر الإيجابية (كالضحك والاستمتاع) مقابل السلبية (كالقلق والحزن).

السعادة كمعيار اجتماعي واستهلاكي

من جانبها، ترى الأكاديمية ميساء الرواشدة أن السعادة ليست مجرد حالة فردية، بل هي نتاج للبيئة الاجتماعية. وتشير إلى أن المجتمع الاستهلاكي يفرض معايير للنجاح، مثل الوظيفة والمكانة الاجتماعية، مما يجعل الإنسان يسعى لتحقيق صورة نمطية بدلاً من اكتشاف ما يحقق له الرضا الحقيقي. وتضيف: النزعة الاستهلاكية تبقينا في حالة تطلع دائم، وترسخ فكرة أن قيمتنا تُقاس بما نملكه، مما يفسر سبب شعور الأشخاص الذين يولون أهمية قصوى للثروة بمستويات أقل من الرفاه النفسي.

هل السعادة غاية أم رحلة؟

يرى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أن الرغبات البشرية لا تنتهي، وأن الإشباع المادي لا يمنح سعادة دائمة بل متعة عابرة. وفي المقابل، يؤكد الدكتور دوغينز أن الحياة المرضية تتسع للحزن وخيبة الأمل؛ فهي ليست حالة يجب الحفاظ عليها طوال الوقت، بل هي شيء ينمو عندما نشعر بالارتباط بالآخرين، وبأننا نحظى بالرعاية، وعندما نكون صادقين مع ما يهمنا حقاً.

وفي الختام، يظل السؤال حول من يقرر سعادتك إجابة شخصية بامتياز؛ إذ لا يمكن لأحد رؤية تجربتك من الداخل، والسعادة في جوهرها ليست مجرد رقم في تقرير دولي، بل هي قدرة الفرد على إيجاد المعنى وسط تحديات الحياة اليومية.

متعلقات