في قلب العاصمة العراقية، وتحديداً في شوارع الكرادة المزدحمة، يمارس الفتى أمير، ذو الـ 14 عاماً، طقوسه اليومية التي جعلت منه وجهاً مألوفاً للمارة وأصحاب المتاجر. أمير، المصاب بمتلازمة داون، لم يكتفِ بالتجول في المكان، بل اتخذ من الكاميرا رفيقاً دائماً يوثق من خلاله تفاصيل الحياة اليومية بلمسة إبداعية خاصة.
حوار بلغة الضوء
لا يحتاج أمير إلى الكلمات ليترجم مشاعره أو يشرح شغفه؛ فإجاباته تتجسد في ابتسامة عريضة، أو إيماءة رأس، أو حركات سريعة بيديه على أزرار الكاميرا. حين يُسأل عن التصوير، يستعرض الصور التي التقطها بعدسته بعناية فائقة، فخوراً بما وثقته عيناه، معبراً عن حلمه بأن يصبح مصوراً محترفاً ومشهوراً.
بداية الرحلة: من اللعبة إلى الاحتراف
يروي والده، علي عبيد، أن شغف أمير بدأ بمحاكاة والده في حمل الكاميرا. في البداية، كانت النتائج غير مكتملة، لكن هذه الأسئلة الطفولية حول لماذا تختلف الصورة عن الواقع؟ كانت الشرارة التي أطلقت رحلة التعلم الحقيقية. تحول الأب إلى معلمٍ أول، يشرح لابنه مفاهيم معقدة مثل سرعة الغالق، وفتحة العدسة، والتركيز، ليجد أمير في النهاية لغته الخاصة للتعبير.
يشير الوالد إلى أن أمير يتمتع بقدرة استثنائية على التركيز واقتناص لحظات لا تتكرر، وهو ما دفعه لتوسيع تجربته لتشمل تصوير الفيديو أيضاً. ويضيف: لم يكن الأمر مجرد تدريب، بل وسيلة لمنحه مساحة يتحرك فيها ويختلط بالناس بعيداً عن نظرات التنميط التي قد يواجهها أصحاب متلازمة داون.
تحديات ومطالب
يؤكد علي عبيد أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب المؤسسات والمراكز المتخصصة التي تتبنى مواهب ذوي متلازمة داون وتصقلها. ويشدد على أن هؤلاء الشباب بحاجة إلى فرص حقيقية تخرجهم من دائرة الوعود إلى واقع ملموس، بعيداً عن الكلمات التي قد تجرح مشاعر عائلاتهم.
في كل مرة يرفع فيها أمير كاميرته، يثبت للعالم أن الإبداع لا يعترف بالحواجز. لقد أصبحت الكاميرا ليست مجرد أداة تقنية، بل هي النافذة التي يرى من خلالها أمير العالم، والعدسة التي يرى بها العالم أمير المصور كما يريد هو أن يُعرف.





