أرمينيا في مهب التحولات: بين قبضة موسكو وطموحات الغرب في جنوب القوقاز
متابعات-المشاهدات: 55

لم يعد المشهد في جنوب القوقاز مجرد صراع سياسي عابر، بل تحول إلى إعادة هيكلة عميقة لشبكات النفوذ التي تربط أرمينيا بالعالم. فبينما يخطو الخطاب السياسي في يريفان نحو الغرب، تظل الخيوط الاقتصادية والأمنية مشدودة بقوة نحو موسكو، مما يضع أرمينيا أمام معادلة بالغة التعقيد.

مفارقة يريفان: خطاب غربي وواقع روسي

في أبريل/نيسان 2025، اتخذ البرلمان الأرميني خطوة حاسمة بإقرار قانون يمهد للتكامل مع الاتحاد الأوروبي. ورغم هذا التوجه، لم تعلن يريفان قطيعة مع روسيا، بل حافظت على عضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مستمرة في ممارسة سياسة الوقوف على الحافة.

الأرقام هذه تفسر جانبا من حذر يريفان، فالابتعاد السياسي عن روسيا ممكن، وقد بدأ فعلا، لكن إعادة بناء العلاقات الاقتصادية وفي مجال الطاقة، التي تشكلت على مدى عقود هو أمر آخر تماما.

تؤكد لغة الأرقام عمق هذا الارتباط؛ إذ استحوذت روسيا على 35.5% من إجمالي التجارة الخارجية لأرمينيا في 2025، بحجم تبادل تجاري بلغ 6.7 مليارات دولار. وفي قطاع الطاقة، تستورد أرمينيا نحو 82% من احتياجاتها من الغاز من روسيا، وتدير شركة غازبروم أرمينيا شبكة النقل الوطنية، مما يجعل البحث عن بدائل طاقة سريعة أمراً شبه مستحيل.

القاعدة العسكرية: رمز الوجود الروسي الأخير

لا يقتصر النفوذ الروسي على الاقتصاد، بل يتجسد في القاعدة العسكرية الـ102 بمدينة غيومري. هذه القاعدة، التي يمتد وجودها القانوني حتى عام 2044، تظل الحضور العسكري الروسي الأبرز في المنطقة. وعلى الرغم من التوترات التي أعقبت سقوط إقليم ناغورني قره باغ في سبتمبر/أيلول 2023، والانتقادات المتبادلة بين يريفان وموسكو، إلا أن الحكومة الأرمينية لم تطلب رسمياً إنهاء وجود القاعدة، مما يعكس حذراً استراتيجياً في التعامل مع الملفات الأمنية.

طريق ترمب والبوابة الأمريكية

في المقابل، دخلت الولايات المتحدة المشهد عبر اتفاقية طريق ترمب للسلام والازدهار الدولي (TRIPP) الموقعة في يونيو/حزيران 2026. يهدف المشروع إلى تطوير شبكة نقل تربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان وتفتح آفاقاً نحو آسيا الوسطى وتركيا.

روسيا لديها بالفعل تجارة كبيرة، وإمدادات غاز، وشركات واستثمارات، وقاعدة عسكرية، أما الغرب فيحاول بناء روابط جديدة، بعضها اقتصادي وبعضها يتعلق بالنقل والطاقة والاتصال، وفي هذه النقطة تحديدا تتقاطع الحسابات الروسية والأمريكية مع الحسابات الإيرانية.

تمنح هذه الاتفاقية الجانب الأمريكي حقوق تطوير واستخدام لمدة 49 عاماً، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان المشروع سيتجاوز كونه ممراً تجارياً ليصبح حضوراً استراتيجياً دائماً قرب الحدود الإيرانية، وهي منطقة تراقبها طهران بحساسية بالغة.

مستقبل القوقاز: إعادة ترتيب أم توزيع للأوراق؟

تظل أرمينيا في قلب هذه التجاذبات؛ حيث يواجه صانع القرار في يريفان تحدي الموازنة بين الحاجة إلى تنويع الشركاء وبين الضرورات الجيوسياسية التي تفرضها الجغرافيا والروابط التاريخية. إن مستقبل نفوذ القوى الكبرى في جنوب القوقاز لن تحسمه الخطابات السياسية فحسب، بل ستحدده حركة البضائع، ومصادر الطاقة، وقدرة أرمينيا على بناء بدائل حقيقية لا تضع أمنها واقتصادها في مهب الريح.

بين القاعدة والطريق، وبين الغاز والتجارة، قد يتحدد شكل المرحلة المقبلة، فالمسألة في النهاية ليست فقط من سيكون أقرب إلى أرمينيا، وإنما أي شبكة ستصبح أكثر حضورا في حياتها اليومية، ومن سيكون قادرا على التأثير في اقتصادها وأمنها حركة اتصالها مع العالم.
متعلقات