تشهد فرنسا حالة من الغليان الشعبي مع اتساع رقعة الاحتجاجات التي بدأت من المدارس لتتحول إلى حركة واسعة النطاق، مدفوعة بتراكم الإحباط من سوء الخدمات التعليمية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعجز المؤسسات السياسية عن تقديم حلول ملموسة.
ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية، شارك نحو 550 ألف شخص في مظاهرات حاشدة يوم السبت الماضي. وبينما اتسمت معظم المسيرات بالسلمية، شهدت بعض المناطق مواجهات عنيفة تخللها تخريب للممتلكات العامة واشتباكات مع قوات الأمن التي استخدمت الغاز المسيل للدموع. وأعلن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو عن اعتقال 1200 شخص وإصابة 150 شرطياً خلال تلك الأحداث.
جذور الأزمة: من المدارس إلى الشارع
انطلقت شرارة الاحتجاجات الشهر الماضي في المدارس الثانوية بضواحي باريس، حيث احتج الطلاب على نقص الكوادر التعليمية وتردي المرافق. وسرعان ما امتدت هذه التحركات إلى مدن كبرى مثل بوردو، ليون، مارسيليا، وليل. وقد تزامنت هذه المطالب الطلابية مع تحركات نقابية وإضرابات في القطاع العام، في مشهد أعاد للأذهان زخم حركة السترات الصفراء التي ظهرت عام 2018.
يرى مراقبون أن دمج مطالب الطلاب -التي تشمل تقليل كثافة الفصول وتوفير بيئة تعليمية أفضل- مع المطالب الاقتصادية للعمال، خلق ضغطاً مضاعفاً على الحكومة. ويأتي ذلك في ظل مقترحات موازنة 2027 التي تتضمن حزمة تقشفية بقيمة 54 مليار يورو، تشمل تجميد أجور الموظفين العموميين، وهو ما اعتبرته النقابات إمعاناً في سياسات التقشف.
Start of Brightcove Playerردود الفعل الحكومية والمأزق السياسي
ركزت الحكومة الفرنسية في استجابتها على الجانب الأمني، حيث توعد الرئيس إيمانويل ماكرون بملاحقة ومعاقبة المسؤولين عن أعمال العنف. وفي المقابل، انتقد زعيم حزب فرنسا الأبية، جان لوك ميلنشون، تعامل الحكومة مع المتظاهرين، معتبراً أن السلطة تلجأ للقمع بدلاً من معالجة الجذور الحقيقية للاحتجاجات.
يشير الخبراء إلى أن حالة الشلل السياسي التي تعاني منها فرنسا منذ انتخابات 2024، وعدم وجود أغلبية برلمانية واضحة، جعلت من الصعب على أي طرف سياسي احتواء الغضب الشعبي. كما تعرضت سياسات ماكرون لانتقادات حادة، حيث يرى محللون أن شخصيته غير المتعاطفة وعجزه عن صياغة مشروع سياسي مقنع، عمقا من أزمة الثقة بين المواطن والدولة.
مخاوف من استغلال الأزمة سياسياً
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في أبريل 2027، تبرز تساؤلات حول الطرف المستفيد من هذا الحراك. وبينما يرى البعض أن زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان قد تجني ثمار هذه الاضطرابات، يحذر آخرون من أن حالة الفوضى تاريخياً تصب في صالح القوى التي تقدم وعوداً بـ استعادة النظام.
ويبقى التحدي الأكبر أمام المرشحين القادمين هو كيفية التوفيق بين ضبط الأمن والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتصاعدة، في ظل بيئة سياسية ممزقة تعجز عن توجيه السخط الاجتماعي نحو مسارات بناءة، مما يترك البلاد في حالة ترقب لما ستؤول إليه الأيام المقبلة.





