بين مطرقة القرصنة وسندان المراقبة: بندر بيلة الصومالية تدفع ثمن أزمة أمنية
متابعات-المشاهدات: 89

في بلدة بندر بيلة الساحلية على طول سواحل بونتلاند في الصومال، تحولت الحياة اليومية للصيادين إلى صراع مرير من أجل البقاء، حيث أصبحت البلدة بؤرة مركزية لأزمة القرصنة المتجددة التي تعصف بالمنطقة منذ أبريل 2026. بعيداً عن العمليات العسكرية الدولية، يجد السكان أنفسهم محاصرين بين قيود أمنية خانقة وتدهور حاد في سبل العيش.

يقول عبد الفتاح محمد، صياد قضى 20 عاماً في هذه المهنة، إن تراجع صيد الأسماك وتغول سفن الصيد الأجنبية جعل من الصعب عليه إعالة أسرته. يضيف عبد الفتاح: السفن الأجنبية تفرغ بحارنا من ثرواتها، ونحن لا نملك القدرة على منافستها. بعض أفراد مجتمعنا لجأوا للسلاح في البحر، لكنني أدرك أن هذا الفعل يضر بمجتمعنا في الصميم.

Fishermen
صيادون وقوارب صيد محلية على طول شاطئ بندر بيلة في سواحل بونتلاند الصومالية

مجتمع تحت وطأة الإجراءات الأمنية

فرضت السلطات المحلية نهاية أغسطس قيوداً صارمة منعت الصيادين من دخول البحر، خشية أن يتخفى القراصنة في زي صيادين. يصف عبد الفتاح الوضع قائلاً: كنا نعاقب على جرائم لا علاقة لنا بها. الخروج للبحر أصبح مخاطرة مزدوجة؛ فالسلطات قد تتهمك بالقرصنة، والقوات البحرية الدولية قد تخطئ في حقك وتزج بك في سجون خارج البلاد.

من جانبه، يؤكد الصياد عبد الرزاق سعيد أن الحملة الأمنية عمقت معاناة السكان، حيث تم اعتقال العشرات بتهمة تزويد القراصنة بالمؤن، كما مُنعت المتاجر من بيع أي سلع للمشتبه بهم، مما أدى إلى توقف حركة الإمدادات التجارية من اليمن إلى الصومال.

شبكات القرصنة والروابط الاجتماعية

يوضح جيتيرو نورمان، الباحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، أن القرصنة ليست مجرد نشاط إجرامي بحري، بل تعتمد على شبكات برية توفر المال والمعدات والحماية. ويضيف: الروابط القبلية تعمل كبنية تحتية اجتماعية ومالية تدعم عمليات القرصنة، وهذا هو السبب في أن مكافحة القرصنة تتطلب فهماً دقيقاً للشبكات القائمة على الأرض.

A
امرأة تبيع الشاي في سوق السمك المحلي في بندر بيلة

مقاومة مدنية ورقابة جوية

رغم الضغوط، حاول أهالي بندر بيلة منع الشباب من الانخراط في هجمات القرصنة، خوفاً من التبعات الأمنية التي ستطال البلدة بأكملها. ورغم رفع القيود الأمنية في الأول من أكتوبر بعد تحرير ثلاث سفن مختطفة، إلا أن الرقابة الجوية لا تزال مستمرة.

ويشير مسؤولون محليون إلى أن المروحيات العسكرية التابعة للقوة البحرية للاتحاد الأوروبي لا تزال تحلق بانتظام فوق البلدة والمناطق الساحلية النائية بحثاً عن أي تحركات مسلحة.

The
سوق السمك المحلي في بندر بيلة

تحديات أمنية إقليمية

يعزو المحلل الأمني عبد النور عبد الله عودة القرصنة إلى انشغال القوات البحرية الدولية بالتوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، مما خلق فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المسلحة. وفي الوقت ذاته، تعاني القوات البحرية في بونتلاند من تشتت جهودها بين محاربة تنظيم داعش في الجبال والتعامل مع التمردات الداخلية.

بالنسبة لأهالي بندر بيلة، تظل هذه التطورات الجيوسياسية واقعاً مؤلماً يحدد مصيرهم اليومي؛ فصوت المروحيات في السماء يذكرهم دائماً بأنهم تحت المراقبة، وأن مهنة الصيد التي ورثوها عن آبائهم أصبحت محفوفة بالمخاطر.

متعلقات