يُعدّ الشيخ محمد عبده من أبرز المنظّرين للفكرة الدستورية في مصر والعالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. فقد أسهم، إلى جانب أستاذه جمال الدين الأفغاني، في ترسيخ خطاب إصلاحي داخل الأزهر يدعو إلى تقييد السلطة بالشورى والقانون، وكان لهذا الخطاب أثرٌ عميق في تطور الحركة الدستورية في المنطقة.
رسالة عبده الكبرى: الإصلاح الديني والسياسي
يمكن اختصار رسالة عبده في أمرين: الإصلاح الديني (تحرير الفكر من التقليد) والإصلاح السياسي (تقييد الحاكم وتعظيم الحق السياسي للأمة). وقد جهر عبده بهذه الدعوات في وقت كان فيه الاستبداد في عنفوانه، مؤكداً أن الحاكم وإن وجبت طاعته فهو بشر يخطئ ولا يرده عن طغيانه إلا نصح الأمة له بالقول والفعل.
الاستبداد وتشويه مزاج الأمة
يرى عبده أن الاستبداد ليس مجرد ممارسة سياسية، بل هو أداة لإفساد أخلاق الرعية وتغيير مزاج الأمة. وفي كتابه الإسلام بين العلم والمدنية، يُلقي عبده الوزر الأكبر على السلطة التي آثرت إفساد الناس وتجهيلهم بدلاً من انتشالهم من واقعهم. ويشير في مذكراته إلى أن الفلاحين الذين تعودوا على الظلم باتوا يرون في إبطال الكرباج مخالفة لما يجب أن يُعاملوا به.
إلزامية الشورى وتغير الأحكام
يؤصل عبده للشورى باعتبارها واجباً شرعياً وليست مندوبة، مستخدماً القواعد الأصولية والمقاصدية. ويؤكد أن قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعل الشورى واجبة وجوباً شرعياً في العصر الحديث، خاصة مع تشابك وتوسع مهام الدولة التي تتطلب خبراء في ميادين متعددة، وهو ما يقطع الطريق على من يزعم أن الشورى تقليد للأجانب.
حقيقة المستبد العادل
يُهاجم البعض محمد عبده بسبب مقالته إنما ينهض بالشرق مستبد عادل، متجاهلين السياق التاريخي الذي كُتبت فيه. فقد أرسل عبده هذه المقالة للنشر عام 1899، لكنه أشار بوضوح إلى أنها من كلامه القديم الذي لم يعد يعبر عن فكره المتأخر، حيث كان يقصد مرحلة انتقالية محدودة لتأهيل مجتمع أمّي للحياة الدستورية، وليس تأسيساً لطغيان أبدي.
الخلاصة: الحاكم ليس إلهاً
يؤكد عبده أن الحاكم ليس ثيوقراطياً (سلطان إلهي)، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه وخلعه. وفي تحليله لمصطلح الاستبداد في تراثه، يفرق عبده بين الاستبداد المطلق (المذموم) وبين توحيد السلطة المنفذة (المقيدة بالقانون)، ليخلص إلى أن مسيرته الفكرية كانت في جوهرها مدافعة عن الحرية، وأن مقولة المستبد العادل لم تكن سوى محاولة واقعية -في زمن وظرف محددين- للعبور نحو دولة القانون.





