نجح فريق دولي من الباحثين في خوض غمار آلة زمن رقمية، مستخدمين أحد أقوى الحواسيب العملاقة في العالم لإعادة بناء الملياري سنة الأولى من تاريخ الكون، في محاكاة غير مسبوقة تجمع بين اتساع المشهد الكوني ودقة التفاصيل العلمية.
أطلق العلماء على هذا المشروع اسم لومينا (Lumina)، وهو مستوحى من الكلمة اللاتينية التي تعني الأضواء. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في دورية الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية في أكتوبر 2026، لتقدم فهماً أعمق لكيفية تحول الكون من فضاء معتم تخنقه سحب الغاز، إلى عالم مضيء استطاع الضوء الانتشار فيه.
عندما استيقظ الكون من عصور الظلام
بعد نحو 380 ألف سنة من الانفجار العظيم، دخل الكون مرحلة العصور المظلمة نتيجة اتحاد الإلكترونات مع أنوية الذرات لتشكيل غاز الهيدروجين المتعادل. وبمرور الزمن، بدأت المادة المظلمة في جذب الغاز نحو مناطق أكثر كثافة، مما أدى لولادة النجوم والمجرات الأولى.
هذه النجوم أطلقت أشعة فوق بنفسجية قوية انتزعت الإلكترونات من ذرات الهيدروجين في عملية إعادة التأين، مما جعل الكون شفافاً للضوء. وتكشف محاكاة لومينا أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة لعبت دوراً محورياً في إعادة تأين الهيليوم، الذي يتطلب طاقة إشعاعية أعلى بكثير.
15 ألف معالج لرسم خريطة الوجود
لإنجاز هذه المهمة الحسابية المعقدة، استعان الباحثون بالحاسوب العملاق فرونتير في مختبر أوك ريدج الوطني بالولايات المتحدة، معتمدين على 15 ألف معالج رسومي وأكثر من 100 ألف نواة معالجة مركزية. تتبعت المحاكاة نصف تريليون عنصر حسابي، ضمن حجم يفوق المحاكاة السابقة بـ 100 مرة.
وأكد مارك فوغلسبيرغر، أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن المشروع يربط بين تشكل المجرات على المقاييس الصغيرة وبين انتشار الإشعاع عبر مساحات كونية هائلة، مما يتيح للعلماء دراسة تأثير إشعاع المجرة الواحدة في محيطها الكوني.
تعد نتائج لومينا اليوم مرجعاً حيوياً لمقارنة النماذج النظرية بمشاهدات تلسكوب جيمس ويب. فإذا تباينت النتائج، فقد تفتح الباب أمام اكتشافات جديدة حول طبيعة الكون المبكر، مما يجعل المحاكاة وسيلة لاختبار القصة العلمية لنشأة المجرات وخروج الكون من عزلته المظلمة.





