بقلم /عبد الإله عطشان
عتمة حيثُ تكتُبُ الطبيعةُ قصيدتَها وتتلوها الغيوم

 

على أعتاب عتمة حيثُ يتنفسُ الجبلُ برئةِ الغمام وتصيغُ الطبيعةُ أبجديتها بلغةٍ خضراءَ تَعِزُّ على الوصف يجدُ الرائي نفسَه أمامَ مَلحمةٍ بصريةٍ تفوقُ حدودَ الخيال فليست هذه المحميةُ اليمانيةُ مجردَ حيزٍ جغرافيٍّ في خاصرةِ ذمار بل هيَ تجلٍّ صوفيٍّ تلتقي فيهِ عبقريةُ الخالقِ بصبرِ المخلوق هنا تتآلفُ المرتفعاتُ الوسطى في عناقٍ أزليٍّ مع الضباب فتغدو المدرجاتُ الزراعيةُ كأوتارِ قيثارةٍ كونية نحتتها سواعدُ الأجدادِ على أكتافِ الشواهق لتعزفَ في كلِّ موسمٍ لحنَ الاكتفاءِ والشموخ وتنسجَ من خيوطِ الندى وشاحاً يكللُ هاماتِ القرى المعلقة في برزخٍ بينَ الأرضِ والسماء.

​إنَّ السردَ في مِحرابِ عتمة يرتجفُ هيبةً فكلُّ صخرةٍ هناكَ هيَ شاهدُ عيانٍ على صمودٍ يمنيٍّ طوعَ المستحيل وحوَّلَ الصوانَ الأصمَّ إلى جناتٍ معلقةٍ تفيضُ بالبنِّ والريحان في وديانها التي تجري كشرايينِ الحياة وفي غاباتها التي تكتظُّ بأسرارِ الطبِّ القديم ينكشفُ الستارُ عن صيدليةٍ ربانيةٍ ومتحفٍ حيٍّ للتنوعِ البيولوجي حيثُ تتصادى زقزقةُ الأطيارِ النادرةِ مع حفيفِ الشجر لتخلقَ ترتيلةً لا يدركُ كنهها إلا منْ ألقى السمعَ وهوَ شهيد عتمةُ هيَ الملاذُ الذي يعيدُ للروحِ توازنها حيثُ الأفقُ يمتدُّ أخضرَ بلا نهايات والضبابُ يمارسُ طقوسَ الغوايةِ البيضاء فيحجبُ حيناً ويكشفُ حيناً عن حصونٍ تاريخيةٍ رابضةٍ فوقَ القممِ كحراسِ الزمن تروي بظلالها الممتدةِ حكايا المجدِ والأنفة.

​هنا وفي هذا الفردوسِ المفقودِ الذي بُعثَ حياً يمتزجُ العطرُ بالهواء والقداسةُ بالطبيعة لتستحيلَ عتمةُ إلى حالةٍ وجدانيةٍ تتجاوزُ لغةَ المقالِ لتستقرَّ في حيزِ الشعور إنها السيمفونيةُ التي لمْ تكفَّ يوماً عنِ العزف واللوحةُ التي لا تزالُ ألوانها نديةً بماءِ المطر تشرقُ في جبينِ اليمنِ كدرةٍ نادرةٍ تُذكّرُ العالمَ بأنَّ الجمالَ حينَ يختارُ موطنه فإنهُ يسكنُ في قلبِ عتمة ليظلَّ الوجهَ الأبقى للنقاء والمبتدأَ الذي لا ينتهي لقصيدةِ الطبيعةِ الخالدة.

مقالات أخرى

بقلم /عبد الإله عطشان

عتمة حيثُ تكتُبُ الطبيعةُ قصيدتَها وتتلوها الغيوم

بقلم /عبد الإله عطشان

حين يغتال المدخن حياة الآخرين

د/وليد المحمدي

مرض السرطان

أمريكا تهاجم فنزويلا، تعتقل رئيسها وترامب يعلن الوصاية عليها..! مرّة أخرى، منطق القوة يهزم منطق القانون

سمية الفقية

التحالف الإسلامي.. الطريق لبناء القدرات البشرية