سلطنة عُمان: ميزان الثقة الذي لا يختل عبر الزمان

في اللحظة التي تضيق فيها خيارات القوى العظمى ويتحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع صفري، لا تبرز سلطنة عُمان كمتفرج على الهامش، بل كـ "مُعايير استراتيجي" يضبط إيقاع الصراع ويمنع الانفجار الكبير. لم يكن الحياد العماني يوماً انسحاباً من المشهد، بل هو "اشتباك دبلوماسي" فائق الدقة، جعل من مسقط المختبر الوحيد في العالم القادر على ترويض العداء التاريخي بين واشنطن وطهران وتحويله إلى مسارات تفاوضية ممكنة.

 

عقيدة "المسافة الواحدة": الحياد كفعل قوة

 

تكمن عبقرية الدبلوماسية العمانية في قدرتها على بناء "هندسة الثقة" تحت قيادة جلالة السلطان هيثم بن طارق، حيث تكرست مسقط كـ "نقطة ارتكاز" لا تميل؛ حيث يُنظر إليها في واشنطن كشريك حكيم يمتلك مفاتيح التهدئة، وفي طهران كجارٍ صادق يرفض سياسات المحاور. هذا الحياد ليس ضعفاً، بل هو "سمت سيادي" جعل من عُمان "الصندوق الأسود" للأسرار الدولية التي تُفكك الأزمات بعيداً عن صخب الإعلام ومنصات الاستعراض.

 

حقائق التاريخ: حين تسبق الحكمة العمانية طبول الحرب.

 

تثبت الوقائع التاريخية أن مسقط كانت دائماً "كلمة السر" في منع الكوارث الكبرى:

 

مهندس "القنوات الخلفية" (2012): في وقت كان فيه العالم يترقب مواجهة عسكرية وشيكة، كانت عُمان تحتضن بصمت اللقاءات السرية التي أنتجت "الاتفاق النووي" (2015). لم تكن مجرد مضيف، بل كانت "المترجم الاستراتيجي" الذي صاغ لغة مشتركة بين أيديولوجيتين متصادمتين.

 

إدارة "الثواني الأخيرة" في الملاحة: في أزمات مضيق هرمز المتكررة، كانت الرسائل العمانية هي "المكابح الاضطرارية" التي منعت سوء الفهم الميداني من التحول إلى حريق إقليمي شامل، بفضل قنوات اتصال مفتوحة وموثوقة لا تملكها أي عاصمة أخرى.

 

دبلوماسية الإنسان كجسر للثقة: من خلال نجاحها التاريخي في أعقد ملفات تبادل المحتجزين، أثبتت مسقط أن حيادها يمتلك بعداً أخلاقياً يرفض المقايضة بالأزمات، محولةً القضايا الإنسانية إلى "رسائل طمأنة" سياسية تُمهد لما هو أكبر.

 

سلطنة عُمان.. رصيدٌ عالمي لا يُشترى

 

تنفرد السلطنة بكونها لا تبحث عن "مكاسب لحظية" أو "تصدّر للمشهد"، بل تعمل وفق مبدأ "الهدوء الاستراتيجي". هذا الصمت العماني هو مصدر قوتها الحقيقي؛ فالعالم يدرك اليوم أن مسقط حين تتحرك، فإن هناك حلولاً تُطبخ على نار هادئة. إنها مدرسة تُثبت أن الدولة لا تُقاس بحجم ترسانتها، بل بمقدار الحكمة التي تصدرها للعالم كـ "صمام أمان" للنظام الدولي.

 

الخاتمة: بوصلة الحكمة في زمن الفوضى

 

ستبقى سلطنة عُمان هي "مصدر الثقة" والبوصلة العالمية التي يعود إليها الجميع حين يضلون الطريق في دهاليز الصراع. فهي ليست مجرد وسيط، بل هي "ضمانة الحكمة" في زمن الجنون السياسي، والبرهان الحي على أن السلام ليس غياباً للحرب، بل هو حضورٌ شجاع للرصانة العمانية في قلب العاصفة.

 

 

 

الشيخ عبد العزيز العقاب

 

رئيس منظمة فكر للحوار والدفاع عن الحقوق والحريات.

 

سفير دولي للسلام.

متعلقات