توسيع مفهوم الإرهاب في بريطانيا: حين يصبح الاحتجاج السياسي جريمة
متابعات-المشاهدات: 37

في الوقت الذي يربط فيه الوعي الجمعي مصطلح الإرهاب بأعمال العنف المروعة، تشهد بريطانيا تحولاً قانونياً جذرياً يوسع هذا المفهوم ليشمل أشكالاً من الاحتجاج السياسي والنشاط الميداني، مما يثير تساؤلات قانونية وحقوقية حول تآكل الحريات المدنية.

توسيع التعريف القانوني

يسمح قانون الإرهاب البريطاني لعام 2000، وتحديداً في مادته الأولى، بتصنيف الأضرار التي تلحق بالممتلكات كعمل إرهابي إذا نُفذت لأغراض سياسية أو أيديولوجية بهدف التأثير على الحكومة أو ترهيب الجمهور. هذا التعريف الذي وصفه خبراء قانونيون بـ المتسع بشكل سخيف، أحدث شرخاً في العلاقة بين حركات الاحتجاج السلمي والمنظومة القضائية.

وقد حذر المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب سابقاً، ديفيد أندرسون، من أن إدراج أفعال لا يراها أي شخص عاقل إرهاباً تحت طائلة هذه القوانين يهدد الثقة العامة التي تستند إليها هذه السلطات الاستثنائية.

الخيار السياسي وتجريم المعارضة

لا يتوقف الأمر عند التعريف الفضفاض، بل يمتد إلى سلطة الحظر التي تمنح الحكومة الحق في اختيار المنظمات التي سيتم تجريم دعمها. ويظهر التناقض بوضوح في التعامل مع كيانات مختلفة؛ حيث تُحظر جماعات بينما تُستثنى أخرى بناءً على تقاطعات المصالح السياسية الغربية.

وفي عام 2021، أقدمت وزيرة الداخلية البريطانية حينها، بريتي باتيل، على توسيع نطاق حظر حركة حماس ليشمل جناحها السياسي، مما مهد الطريق قانونياً لدمج النشاط المدني ضمن إطار البنية التحتية للإرهاب، وهو ما أثر بشكل مباشر على شرعية العمل السياسي والحقوقي.

حالة فلسطين أكشن: من الاحتجاج إلى الترهيب

برزت قضية مجموعة فلسطين أكشن كنموذج حي لاستخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد احتجاجات مباشرة استهدفت شركات الأسلحة. وعلى الرغم من أن المحاكم البريطانية تباينت في أحكامها حول قانونية حظر المجموعة، إلا أن النتيجة العملية تمثلت في حملة اعتقالات واسعة.

تشير الإحصاءات الرسمية لوزارة الداخلية البريطانية لعام 2026 إلى أرقام صادمة؛ حيث سُجل أكثر من 3000 اعتقال متعلق بالإرهاب، الغالبية العظمى منها مرتبطة بدعم فلسطين أكشن. اللافت هنا هو التغير في نمط الإرهابي البريطاني، حيث ارتفع متوسط عمر المعتقلين إلى 59 عاماً، وكانت الغالبية العظمى من النساء، مما يعكس استهدافاً مباشراً لنوعية مختلفة تماماً من النشطاء السياسيين.

المقارنة التاريخية: هل تغيرت المعايير؟

في محاولتها لتبرير حظر فلسطين أكشن، قارنت السلطة القضائية بينها وبين حركة السوفراجيت (المطالبات بحق المرأة في التصويت)، معتبرة أن الأخيرة كانت أكثر شفافية. إلا أن هذا التوصيف يتجاهل التاريخ الفعلي للسوفراجيت اللواتي استخدمن تكتيكات شملت الهجوم على الممتلكات والسياسيين، مما يضع التبرير القضائي الحالي في مواجهة مباشرة مع الحقائق التاريخية.

خاتمة: تآكل اللغة والقانون

إن دمج الاحتجاج السياسي ضمن قوانين مكافحة الإرهاب أدى إلى تهميش دور هيئات المحلفين، حيث يتم استبعاد دفاعات مثل الضرورة أو منع وقوع إبادة جماعية. ومع توسع مفهوم الإرهاب ليشمل التعبير عن الرأي، أصبحت المحاكمات السياسية جزءاً من المشهد اليومي، مما يثبت صحة تحذير جورج أورويل من أن فساد اللغة يؤدي بالضرورة إلى فساد الفكر والعدالة.

متعلقات