في ظل موجات الحر المتلاحقة التي تجتاح المنطقة العربية، تتعرض شبكات الكهرباء لضغوط غير مسبوقة تكشف عن فجوات عميقة في البنية التحتية، حيث تتباين قدرة الدول على الصمود بين أزمات هيكلية مزمنة وحالات طوارئ ظرفية.
ليبيا: بين النفير العام وتهالك الشبكة
تتفاقم أزمة الكهرباء في ليبيا بشكل متسارع، حيث ارتفعت ساعات الانقطاع اليومي من 4 ساعات لتصل في بعض المناطق إلى 12 ساعة. وتتركز الأزمة في غرب البلاد والمنطقة الشرقية التي شهدت حالات إظلام تام متكررة، مما ألقى بظلاله على الحياة اليومية والقطاع الصحي.
وتشير التقديرات الفنية إلى أن معالجة الأزمة جذرياً تتطلب خططاً طويلة الأمد قد تستغرق 5 سنوات، في وقت تضطر فيه الشركة العامة للكهرباء لإعلان النفير العام لمواجهة الطلب المتزايد بالتزامن مع احتجاجات شعبية وتحديات في إمدادات الوقود.
اليمن: أزمة هيكلية تتجاوز الصيف
تُعد أزمة الكهرباء في اليمن الأكثر حدة، حيث تُصنف كأزمة هيكلية مرتبطة بتداعيات الحرب وتهالك المحطات. ففي مدن مثل عدن والحديدة، تتراوح ساعات الانقطاع بين 12 و20 ساعة، بينما تعاني مناطق كصنعاء وتعز من انقطاع شبه كامل للخدمة الحكومية.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على القطاع الصحي، حيث تتعطل أجهزة طبية حيوية كأجهزة غسيل الكلى والحضانات، مما يضع حياة آلاف المرضى تحت تهديد مستمر، في ظل اعتماد السكان على الطاقة الشمسية كبديل اضطراري محدود.
لبنان: خلل بنيوي في منظومة الطاقة
في لبنان، لا تقتصر الأزمة على نقص الوقود، بل تعكس خللاً بنيوياً تراكم عبر عقود من غياب الاستثمار في معامل الإنتاج الدائمة. وتؤمن مؤسسة كهرباء لبنان حالياً نحو 4 ساعات تزويد يومياً فقط، مما أجبر المواطنين على الاعتماد الكلي على المولدات الخاصة.
تونس: الحرارة تنهك شبكة الإنتاج
جاءت موجة الحر الاستثنائية في تونس لتكشف هشاشة الشبكة، حيث اضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز للقطع المبرمج لحماية المنظومة من الانهيار. وتواجه تونس تحدياً مزدوجاً يتمثل في تراجع الإنتاج المحلي من الغاز والضغوط المالية الكبيرة على شركة الكهرباء.
الجزائر: نموذج الاستقرار الاستثنائي
على النقيض من الدول السابقة، تُظهر الجزائر استقراراً في منظومتها الكهربائية، حيث تعتبر الانقطاعات الأخيرة استثنائية ومرتبطة بظروف مناخية قاهرة، إذ لا تواجه البلاد أزمة هيكلية في الإنتاج، وتواصل الجهات المعنية تحديث الشبكة لضمان استمرارية الخدمة.
خلاصة: تحدي التمويل والاستدامة
تؤكد المقارنة الإقليمية أن أزمة الكهرباء العربية ليست ذات أسباب موحدة؛ فبينما تحكمها في بعض الدول تعقيدات سياسية ومالية، يفرض التغير المناخي والنمو السكاني تحديات جديدة تتطلب استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة وتحديث شبكات النقل، لضمان عدم تحول الصيف القادم إلى أزمة موسمية مستدامة.





