في خطوة فكرية طموحة لتجاوز السرديات التاريخية التي حصرت العلاقة بين الشرق والغرب في قوالب الصدام والمركزية، احتضنت العاصمة البوسنية سراييفو المؤتمر الدولي ما وراء الشرق والغرب.. إعادة تصوّر اللقاءات الأوراسية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمفكرين من مختلف القارات، وبدعم من مبادرة الإسلام والمسلمين القطرية، وجامعة سراييفو، وجامعة حمد بن خليفة، ومركز الدراسات المتقدمة.
أوراسيا.. من ساحة للصدام إلى فضاء للتعايش
أكد البروفيسور محمود الحمزة، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، أن الاستشراق الكلاسيكي لا يزال يمارس تأثيره عبر أدوات متجددة، مشيراً إلى أن التحدي الراهن يكمن في الانتقال من مرحلة نقد الاستشراق إلى البناء المعرفي المستقل. ويرى الحمزة أن أوراسيا تمثل نموذجاً تاريخياً للتعايش الثقافي والديني، داعياً إلى إبراز هذه الأوراسيا الحضارية كبديل للأوراسيا الجيوسياسية التي تروج لها القوى الكبرى كساحة للصراع.
مقاربات جديدة لفك الارتباط بالمركزية الغربية
ناقش المؤتمرون ثلاثة مستويات للحلول المقترحة لتفكيك السردية الاستشراقية، حيث دعت الدكتورة داليا فهمي إلى إعادة قراءة أوراسيا كمساحة حية للتفاوض الإنساني المستمر. وتتوزع الحلول بين تحول المعرفة الذي يطرحه أوليفييه روا، والأسس الأخلاقية التي يمثلها مفهوم الآدمية لدى رجب شنتورك، وصولاً إلى الشبكات الاقتصادية التي استعرضها خير الدين الجنيد كبديل للروابط التقليدية.
الموريسكي الداخلي وذاكرة الحدود
من جانبه، طرح البروفيسور سلفادور بينيا مارتن مقاربة الموريسكي الداخلي، موضحاً أن المجتمعات الحدودية مثل إسبانيا تمتلك إرثاً تكاملياً مع الثقافة الإسلامية واليهودية. وأكد مارتن أن تجاوز التفكير الثنائي هو السبيل الوحيد لردم الانقسامات الاجتماعية التي لا تزال ترفض الاعتراف بالهوية التاريخية المتعددة.
تفكيك صراع الصورة
وحذر الدكتور حسن الرميحي من السقوط في فخ الاختزال المؤسسي، داعياً إلى العودة للأرشيف الداخلي والأدوات المعرفية التراثية، مثل مفهوم التوازن بين الظاهر والباطن، لحماية المعرفة من الطغيان المادي. وأكد أن البدائل الفكرية الفعالة يجب أن تنبع من تاريخ الأفكار الأصيلة بعيداً عن منطق رد الفعل تجاه الغرب.
مستقبل أوروبا: تعددية إسلامية وعلمانية
في السياق الأوروبي، شدد البروفيسور أحمد علي باشيتش على أن أخلاقيات التعايش ليست ترفاً نظرياً بل ضرورة عملية، بينما ذهب الأستاذ أنس كاريتش إلى أن مستقبل أوروبا سيكون إسلامياً وعالمياً وعلمانياً في آن واحد، داعياً المسلمين للانتقال من مربع الدفاع إلى المبادرة والمشاركة الفاعلة في الفضاء العام الأوروبي.
نحو خطاب معرفي من الجنوب العالمي
اختتم المؤتمر بنقاشات حول دراسات الجنوب العالمي، حيث دعا البروفيسور شوي تشينغ قوه إلى استبدال لغة التفكيك بلغة الحوار، مؤكداً أن الباحثين الصينيين يطورون أطراً تفسيرية تركز على التنمية والحوكمة، وهي أطر تختلف جوهرياً عن السرديات الغربية القائمة على الليبرالية التقليدية، مما يفتح الباب لتأسيس خطاب معرفي تعاوني بين شعوب العالم.





