في خطوة تعكس طموحاتها السياسية المتصاعدة، اختار حزب ريفورم البريطاني مدينة برمنغهام -ثاني أكبر مدن المملكة المتحدة- لتكون منصة استعراض قوته، محاولاً تصوير نفسه كحكومة قادمة. ومع ذلك، فإن الواقع السياسي في المدينة يروي قصة أكثر تعقيداً من تلك التي يروج لها زعيم الحزب نايجل فاراج.
برمنغهام: فسيفساء تتحدى الصورة النمطية
تُعد برمنغهام مدينة شابة ومتنوعة عرقياً وطبقياً، وهي الصفات ذاتها التي يستخدمها ريفورم لتصوير المدينة كنموذج لما يسميه استبدال بريطانيا القديمة. لكن النتائج الانتخابية الأخيرة تشير إلى مشهد مختلف تماماً؛ فرغم حصول الحزب على 23 مقعداً من أصل 101 في مجلس المدينة، إلا أن هذا الإنجاز لا يمثل تفويضاً شعبياً بقدر ما يعكس حالة من الإحباط العام.
تظهر بيانات التعداد السكاني أن التنوع في برمنغهام ليس أحادي البعد، حيث تتوزع التركيبة السكانية بنسب متقاربة بين فئات إثنية متنوعة. وقد أدى نظام الانتخابات البريطاني إلى تفتيت الأصوات، مما أفرز مجلساً محلياً لا يسيطر عليه حزب واحد، حيث تدير المدينة الآن إدارة ائتلافية تضم الديمقراطيين الأحرار والخضر ومستقلين.
أزمة العمال وفراغ السلطة
يرى مراقبون أن صعود ريفورم في برمنغهام ليس دليلاً على فشل التعددية الثقافية، بل هو مؤشر على الشعور بالتهميش الذي يجتاح أجزاء واسعة من بريطانيا. فقد عانت المدينة تحت إدارة حزب العمال لسنوات، تخللتها أزمات حادة شملت إعلان إفلاس المجلس المحلي في 2023، وانهيار الخدمات العامة، وتدهور البنية التحتية، وتفاقم الفقر الذي يطال أكثر من 44% من أطفال المدينة.
هذا المناخ من الإهمال دفع الناخبين للبحث عن بدائل، لكن التوجه لم يكن حصراً نحو اليمين؛ فقد حقق حزب الخضر مكاسب لافتة، مما يثبت أن الناخبين ينتقلون أيضاً نحو خيارات يسارية ترفض خطاب كشط المهاجرين وتطالب بالعدالة الاقتصادية.
التشخيص الخاطئ والحلول الزائفة
يقدم حزب ريفورم وعوداً بحنين زائف إلى ماضٍ بريطاني متجانس لم يكن موجوداً يوماً بالنسبة للملايين من الطبقة العاملة. وبدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمات الاقتصادية، يعتمد الحزب سياسة كبش الفداء، ملقياً باللوم على المهاجرين والأقليات.
واللافت أن الحزب، الذي يدعي محاربة المؤسسة (Establishment)، يتلقى دعماً مالياً ضخماً من كبار المانحين في قطاعات التمويل والعملات الرقمية. إن هذا التناقض يكشف أن أجندة الحزب الاقتصادية، التي تدعو إلى تقليص الخدمات، ستضر في نهاية المطاف بالفئات الأكثر ضعفاً التي يحاول استمالتها.
نحو تضامن يتجاوز الانقسام
إن تجربة برمنغهام تثبت أن المجتمعات المحلية، بمختلف أعراقها وطبقاتها، تشترك في هموم واحدة: الأجور المتدنية، أزمة السكن، وتردي الخدمات. إن التحدي الحقيقي أمام السياسة البريطانية لا يكمن في تغذية الانقسام، بل في بناء تضامن يرفض كذبة أن أمن مجتمع ما يتطلب انعدام أمن مجتمع آخر.
في النهاية، تظل برمنغهام مرآة لبريطانيا: مدينة متنوعة، تعاني من الجراح، لكنها تمتلك القدرة على التغيير والبحث عن حلول تقوم على العدالة الاقتصادية والمصلحة العامة، بعيداً عن سياسات التخويف والتحريض.





