تشهد منطقة أمريكا اللاتينية تصاعداً ملحوظاً في النشاط العسكري الأمريكي، وذلك في ظل تفعيل تحالف الأمريكتين لمكافحة الكارتلات (ACCC)، الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب في مارس الماضي. يهدف التحالف إلى تعزيز التعاون الأمني وتكثيف الضربات ضد السفن المشتبه في تورطها بتهريب المخدرات، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التوجه إلى عودة السياسات القسرية الأمريكية تجاه المنطقة.
مبدأ مونرو في ثوب جديد
يضم التحالف (ACCC) في عضويته 17 دولة من أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة. ورغم عدم انضمام فنزويلا رسمياً، إلا أن التقارير تشير إلى فتح أراضيها للعمليات الأمريكية، مما يسمح للتحالف بإحكام السيطرة على ما يُعرف بـ القوس الأندي، وهو المركز الرئيسي لإنتاج الكوكايين في المنطقة.
ولا تقتصر أهداف التحالف على مكافحة المخدرات فحسب؛ فقد أعلن ترامب أن المبادرة تهدف إلى التصدي للنفوذ الأجنبي الخبيث في إشارة مبطنة للصين. وتزامن هذا التحرك مع تأسيس قوة المهام المشتركة لنصف الكرة الغربي في أغسطس الماضي، والتي تهدف إلى مزيد من التنسيق العسكري والعملياتي، وهو ما يراه مراقبون بمثابة إحياء لـ مبدأ مونرو لعام 1823، تحت مسمى إضافة ترامب.
تكتيكات العسكرة: من الضربات الجوية إلى القواعد العسكرية
كشفت العمليات الأخيرة عن ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث نفذ الجيش الأمريكي ضربات جوية بالتنسيق مع السلطات الفنزويلية، كما قامت قوة المهام المشتركة بمهاجمة سفن مشتبه بها، مما أسفر عن سقوط ضحايا. وتأتي هذه التحركات في وقت أعلن فيه وزير الدفاع بيت هيغسيث عن منح الرئيس الكولومبي الجديد، أبيلاردو دي لا إسبيريلا، الضوء الأخضر للقوات الأمريكية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي الكولومبية.
تثير هذه التطورات قلقاً تاريخياً، حيث تستحضر الذاكرة الجمعية في أمريكا اللاتينية تداعيات خطة كولومبيا (2000-2015)، التي أدت رغم إنفاق 10 مليارات دولار إلى تفاقم العنف العسكري وانتهاكات حقوق الإنسان، بدلاً من تحقيق الاستقرار المنشود.
تداعيات على السيادة والنسيج الاجتماعي
لن تتوقف آثار هذه العسكرة عند الجانب الأمني فحسب، بل ستمتد لتشمل ميزانيات الدول الوطنية؛ إذ تضغط واشنطن على الدول الأعضاء لزيادة الإنفاق الدفاعي، مما يعني بالضرورة اقتطاع موارد من قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والإسكان.
علاوة على ذلك، يبرز تهديد حقيقي للسيادة الوطنية، خاصة مع إصرار المسؤولين الأمريكيين على انسحاب دول التحالف من المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يثير مخاوف بشأن ضمان الإفلات من العقاب للقوات الأمريكية وحلفائها. إن هذا التوجه نحو عسكرة المنطقة لا يهدد فقط المؤسسات الديمقراطية الهشة في أمريكا اللاتينية، بل قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار السياسي وتآكل سيادة القانون.





