في ظل أزمة المياه التي تشهدها تونس وتراجع توفر المياه المعبأة في الأسواق، تحولت العيون الطبيعية في المناطق الداخلية إلى وجهة رئيسية للمواطنين، حيث يقطع العديد منهم مسافات طويلة لملء أوعيتهم بما تيسر من تدفق المياه، في مشهد يعيد إلى الأذهان أنماط حياة قديمة قبل انتشار شبكات التوزيع الحديثة.
يقول نبيل السالمي، أحد المواطنين الذين اضطروا لقطع 50 كيلومتراً من العاصمة نحو عين واد سعدان ببنزرت: لقد عدنا حيث كنا.. نشرب من العين. هذا الحال لا يقتصر على نبيل، بل يشاركه فيه العديد من العائلات التونسية التي باتت تعتبر البحث عن الماء روتيناً يومياً يتطلب تخطيطاً مسبقاً وتوفير أوعية خاصة في السيارات لضمان تأمين احتياجاتهم.
رحلة البحث عن البديل
تزايدت حدة هذا التوجه خلال أشهر الصيف التي تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على المياه، مما وضع المواطن أمام تحدي البحث عن مصادر بديلة في ظل الضغوط المائية التي تواجهها البلاد. وبينما يملأ البعض كميات للاستهلاك الشخصي، يحمل آخرون كميات أكبر تكفي عائلاتهم لعدة أيام.
تحذيرات صحية من المياه الصافية
وعلى الرغم من صفاء مياه هذه العيون، يحذر محمد الرابحي، مدير عام الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، من مخاطر استهلاكها. ويؤكد الرابحي أن هذه المصادر غير آمنة صحياً لعدم خضوعها للرقابة، موضحاً أنها قد تكون عرضة للتلوث الجرثومي الناتج عن اختلاط الإنسان بالحيوان، فضلاً عن احتمالية تلوثها بالمواد الكيميائية والنترات المستخدمة في الأنشطة الفلاحية المحيطة بها.
انفراج تدريجي في الأسواق
بالتزامن مع هذه الرحلات الشاقة، بدأت أزمة المياه المعبأة تشهد مؤشرات انفراج، حيث أطلقت السلطات عملية ضخ مكثف للمياه في الفضاءات التجارية الكبرى، بتوزيع تجاوز 2.3 مليون قارورة يومياً في تونس الكبرى. وتؤكد غرفة أصحاب المتاجر الكبرى استمرار عمليات التزويد المكثف لضمان عودة السوق إلى نسقها الطبيعي.
أزمة مياه خانقة في تونس.. انقطاعات متكررة وندرة في المياه المعبأة وسط موجة حر قياسية وغضب شعبي متصاعد pic.twitter.com/smF2Gqggxs
— قناة الجزيرة (@AJArabic) August 30, 2026
مفارقة البحث عن الماء
تظل ظاهرة العودة للعيون الطبيعية تعبيراً عن أزمة ثقة وقدرة على الوصول للموارد الأساسية. فبينما تحاول الأسر التونسية تأمين احتياجاتها اليومية، تبرز مفارقة واضحة بين توفر مياه طبيعية يراها المواطن ملاذاً، وبين تحذيرات المختصين من مخاطرها الصحية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل منظومة التزويد المائي في البلاد.





