في المدينة الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، لم يعد التوتر يقاس بعدد السفن العابرة فحسب، بل صار يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية؛ صياد يقلص ساعات عمله، وتاجر يعجز عن تسعير بضاعته، وأم تعجز عن تأمين مستلزمات أطفالها المدرسية، كل ذلك تحت ضغط عملة متراجعة وتكاليف تجارة تحلق عالياً.
على رصيف الصيادين في بندر عباس، يختصر أحد الصيادين المشهد وهو يرفع كيساً صغيراً من الروبيان قائلاً: هذا حصيلة يوم بدأته قبل الفجر. لا يعود شح الصيد إلى البحر وحده، بل إلى ارتفاع كلفة الوقود، والتحركات العسكرية في الأجواء والمياه، مما يفرض مخاطر تدفع الصيادين لتقليص وقت وجودهم في الممر المائي الأكثر حساسية في العالم.

من البحر إلى رف المتجر
تنتقل عدوى الأزمة من الميناء إلى الأسواق، حيث يواجه التجار الإيرانيون معضلة غياب التسعير. يوضح تاجر أحذية في المدينة أنه لا يستطيع تثبيت سعر بضاعته بسبب التقلبات الحادة في قيمة العملة، مما يجعله في حيرة من أمره؛ فهو يبيع سلعة اشتراها بعملة تغيرت قيمتها قبل وصول البضاعة إلى الرف.
أدت العقوبات والقيود على التحويلات المالية إلى تعقيد سلاسل التوريد، حيث يضطر الموردون لطلب الدفع النقدي أو المرور عبر دول وسيطة، مما يرفع الكلفة ويؤخر وصول الشحنات. هذه الدورة التجارية المتعثرة جعلت من بندر عباس نموذجاً مصغراً لاقتصاد يصارع من أجل البقاء.

الاقتصاد في مواجهة التضخم
تشير الأرقام الرسمية إلى حجم التحدي؛ حيث بلغ التضخم السنوي نحو 69.9% في أغسطس/آب، بينما قفزت أسعار الغذاء بنسبة 128%، وتجاوز سعر الدولار في السوق الحرة حاجز الـ 2.2 مليون ريال إيراني. ويرى خبراء اقتصاديون أن التدخلات الحكومية بالعملة الصعبة قد توفر حلولاً مؤقتة، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المتمثلة في التضخم والعقوبات.

المستهلك: الحلقة الأضعف
في نهاية السلسلة، تقف العائلات بوجه تآكل القدرة الشرائية. تقول إحدى الأمهات إن ارتفاع أسعار السلع المستوردة دفعها للاستغناء عن احتياجات أطفالها الأساسية، بما في ذلك الأدوات المدرسية. ومع استمرار هذه الضغوط، يجد المواطن في بندر عباس نفسه يدفع فاتورة الجغرافيا والسياسة، في مدينة تحاول الحفاظ على إيقاعها اليومي بينما تضيق بها سبل العيش.






