اكتشف علماء الفلك مصدراً راديوياً غامضاً يقع داخل مجرة درب التبانة، أثار حيرة المجتمع العلمي نظراً لنشاطه المستمر منذ أكثر من 20 عاماً، وغيابه التام عن نطاق الأشعة السينية، وهو ما لا يتطابق مع أي من الأجرام السماوية المعروفة.
يحمل هذا المصدر الرمز في تي جيه 906 (VT J1906+0849)، وقد مكنت دراسة سجلات الرصد التاريخية، بالاستعانة بمصفوفات تلسكوبية حديثة، العلماء من تتبع تاريخه الطويل الذي بدأ منذ عام 2005 على الأقل.
سلوك مراوغ عبر العقود
بدأ رصد المصدر بشكل دقيق في أكتوبر 2017 عبر مسح في لاس (VLASS)، حيث سجل سطوعاً بلغ 70 ملي جانسكي. إلا أن العودة إلى البيانات الأرشيفية كشفت أن المصدر كان أكثر نشاطاً في عام 2014 ليصل إلى 200 ملي جانسكي، قبل أن يخفت ويعود للتوهج مجدداً في أواخر عام 2025. هذا التغير التدريجي يستبعد فرضية الانفجارات القصيرة، ويشير إلى وجود عملية فيزيائية مستمرة وممتدة زمنياً.
لغز غياب الأشعة السينية
تشير القياسات إلى أن المنطقة الباعثة للإشعاع صغيرة جداً ولم تظهر أي توسع ملموس رغم مرور السنوات، وتقدر المسافة التي تفصلنا عن هذا المصدر بنحو 50 ألف سنة ضوئية. المفاجأة العلمية الكبرى تمثلت في فشل مرصد سويفت الفضائي في التقاط أي إشارة لهذا المصدر في نطاق الأشعة السينية.
هذا الغياب يثير تساؤلات حول طبيعة الإشعاع؛ حيث تشير درجات الحرارة المقدرة للمنطقة (بين 100 مليون و10 مليارات كلفن) إلى أننا أمام إشعاع سنكروتروني ناتج عن جسيمات عالية الطاقة تتحرك في مجالات مغناطيسية قوية.
فرضيات قيد الدراسة
يميل الباحثون بقيادة جيسي ميلر من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا إلى فرضية أن المصدر هو جسم مدمج (ثقب أسود أو نجم نيوتروني) يتغذى على المادة المحيطة به، مما يولد نفاثات جسيمية. وتشير بيانات الأشعة تحت الحمراء إلى وجود رياح كثيفة وغير متماثلة ناتجة عن قرص مادي يحيط بالجسم، قد تكون هي السبب في حجب الأشعة السينية وتضييق نطاق النفاثات الراديوية.
يظل في تي جيه 906 لغزاً علمياً يفتح الباب لاحتمالية وجود فئة جديدة كلياً من الأجرام السماوية التي تختبئ داخل مجرتنا، ولا يمكن كشفها إلا من خلال الرصد الراديوي طويل الأمد، وهو ما يضع النماذج الفلكية الحالية أمام اختبار حقيقي لإعادة التقييم.





