كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية نيتشر نيوروساينس (Nature Neuroscience) عن حقيقة علمية تغير المفاهيم التقليدية حول تطور الدماغ البشري، حيث أثبت الباحثون أن الدماغ لا ينشأ من مجموعة واحدة من الخلايا السلفية كما كان يُعتقد سابقاً، بل يتكون من مسارين تطوريين منفصلين تماماً يلتقيان في مراحل لاحقة.
هيكلية الدماغ ومساراته التطورية
يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية تتوزع وظائفها بين الدماغ الأمامي، المسؤول عن الوعي والتفكير واللغة، والدماغ المتوسط والمؤخر، الذي يضطلع بمهام حيوية مثل التنفس، تنظيم ضربات القلب، النوم، والتحكم في عضلات الوجه والبلع.
وقد توصل الباحثون إلى هذا الاكتشاف عبر دراسة دقيقة لمراحل تطور أجنة الفئران، حيث رصدوا مجموعتين متباينتين من الخلايا السلفية:
- مجموعة Otx2: المسؤولة عن بناء الدماغ الأمامي والمتوسط.
- مجموعة Gbx2: المسؤولة حصراً عن تكوين الدماغ المؤخر.
وأظهرت التحليلات وجود اختلافات جوهرية في بنية الكروماتين المنظمة لنشاط الجينات داخل هذه الخلايا، مما يؤكد أن مصير كل مجموعة يتحدد بشكل مبكر جداً في عمر الجنين، حيث أوضح البروفيسور كايل لوه، أستاذ علم الأحياء التطوري، أن الجزء الأمامي من الدماغ ينشأ من خلايا سلفية مختلفة جذرياً عن تلك التي تشكل الجزء الخلفي.
طفرة في إنتاج الخلايا العصبية مخبرياً
فتح هذا الاكتشاف آفاقاً جديدة في الطب التجديدي؛ إذ ساعد الباحثين في تجاوز العقبات التي كانت تواجههم في إنتاج خلايا عصبية خاصة بالدماغ المؤخر في المختبر. ومن خلال تحديد المسار التطوري الصحيح، نجح الفريق في توجيه خلايا جذعية بشرية متعددة القدرات لتصبح خلايا عصبية حركية وظيفية تماثل في خصائصها ونشاطها الكهربائي الخلايا الطبيعية.
ويعلق العلماء آمالاً كبيرة على هذه التقنية في تطوير علاجات لأمراض عصبية مستعصية، مثل الضمور العضلي الشوكي والتصلب الجانبي الضموري، التي تؤدي إلى تلف الخلايا المسؤولة عن الوظائف الأساسية كالتنفس والبلع.
أصول تعود لملايين السنين
لم تقتصر نتائج الدراسة على الثدييات، بل رصد الباحثون نمطاً مشابهاً في كائنات أخرى مثل الدجاج، وسمك الزرد، وديدان البلوط، وصولاً إلى قناديل البحر. وتشير هذه النتائج إلى فرضية تطورية مثيرة، وهي أن الدماغ البشري قد يكون نتاج اندماج نظامين عصبيين كانا يعملان بشكل منفصل في كائنات بدائية قبل مئات الملايين من السنين، ليتوحدا لاحقاً في جهاز عصبي واحد معقد.
ويطمح الفريق البحثي في المرحلة القادمة إلى توسيع نطاق الدراسة لفهم الأصل التطوري للحبل الشوكي، وكيفية التفاعل بين هذه المسارات التطورية والأمراض العصبية المزمنة لفتح آفاق علاجية جديدة.





