شادي نصيف.. أستاذ جامعي كفيف يكسر الحواجز بحفظ القرآن وترميم التراث الصوتي
متابعات-المشاهدات: 52

في مشهد يجسد أسمى معاني التسامح والشغف المعرفي، يبرز اسم الدكتور شادي نصيف، أستاذ التربية الموسيقية بجامعة حلوان، كحالة استثنائية في المجتمع المصري؛ فهو أستاذ جامعي كفيف، مسيحي الديانة، لم يكتفِ بتجاوز تحديات البصر ليصبح أكاديمياً ومهندساً صوتياً، بل امتد شغفه ليتوج بحفظ القرآن الكريم كاملاً بروايتين.

بدايات ملهمة: معلمة آمنت بالموهبة

بدأت رحلة نصيف من محافظة المنيا، وتحديداً في مدارس النور والأمل للمكفوفين. هناك، لعبت معلمة اللغة العربية زينب كامل دوراً محورياً في تشكيل شخصيته، حين رفضت خروجه من حصة اللغة العربية أثناء تلاوة القرآن، مؤكدة له أن تعلم اللغة وبلاغتها لا يتقيد بدين، بل هو جسر للمعرفة. هذه اللفتة الإنسانية كانت الشرارة التي قادت نصيف لحفظ القرآن الكريم وتذوق بلاغته، متجاوزاً المناهج التقليدية بفضل شغفه الشخصي.

من عتمة البصر إلى رحاب الأكاديمية

لم تكن مسيرة نصيف مفروشة بالورود، فقد واجه في بداياته رفضاً من معهد الموسيقى العربية بدعوى إعاقته البصرية. إلا أن هذا التحدي لم يزده إلا إصراراً، ليجد في كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان بيئة حاضنة لقدراته، حيث تدرج في دراسته حتى نال درجتي الماجستير والدكتوراه، ليصبح اليوم عضواً في هيئة التدريس ينهل من علمه الطلاب.

ولم تتوقف رحلته عند الموسيقى الأكاديمية، بل تعمق في دراسة الموسيقى القبطية وألحان الكنيسة الأرثوذكسية، ليخلق حالة من التناغم الفني الذي يجمع بين التراثين الروحيين للمجتمع المصري.

ترميم الذاكرة الصوتية

بفضل أذنه الموسيقية الحساسة وتخصصه في هندسة الصوت، كرس نصيف جزءاً كبيراً من وقته لخدمة التراث الإنساني. فمن داخل استوديوه الخاص، يعمل على تنقية وترميم تسجيلات نادرة، تشمل قداسات كنسية قديمة، وأسطوانات نادرة لعمالقة التلاوة في مطلع القرن العشرين، أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ علي محمود.

إن قصة شادي نصيف ليست مجرد مسيرة تفوق فردي، بل هي رسالة حية بأن الفن واللغة يمكنهما ترميم ما قد تفسده الأيام، وأن الذاكرة الصوتية للتاريخ المصري محفوظة في أمينةٍ تدرك قيمة الجمال وتتجاوز بتسامحها كل الحدود.

متعلقات