تشهد الساحة السياسية داخل إيران تحولاً لافتاً في طبيعة النقاش العام حول البرنامج النووي، حيث انتقل الحديث عن امتلاك السلاح النووي من الغرف المغلقة إلى العلن، وسط تصاعد الأصوات التي تروج له كأداة ردع ضرورية في ظل التوترات العسكرية الراهنة والضربات التي طالت المنشآت الإيرانية.
تباين المواقف: بين النفي الرسمي وتغير الخطاب
رغم هذا الزخم في الخطاب العام، تؤكد القيادة الإيرانية تمسكها بمواقفها التقليدية؛ إذ جدد الرئيس مسعود بزشكيان، خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، نفي بلاده السعي لتطوير سلاح نووي، مستنداً في ذلك إلى الفتوى الإيرانية التي تحرم أسلحة الدمار الشامل.
وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، أبدى بزشكيان استعداد طهران لخفض مستوى تخصيب اليورانيوم والسماح بعمليات تحقق دولية ضمن اتفاق جديد، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن إيران لن تتخلى عن برنامجها النووي الأساسي.
نقاش يخرج من الظل
على النقيض من التصريحات الرسمية، تشير تقارير إلى أن التيار المتشدد في إيران بدأ يدفع باتجاه إعادة تقييم العقيدة النووية، بما في ذلك طرح مقترحات بإعادة النظر في عضوية إيران في معاهدة حظر الانتشار النووي. هذا التحول يعكس تراجعاً في المحرمات السياسية التي كانت تحيط بهذا الملف لسنوات طويلة، وإن كان لا يمثل حتى الآن قراراً استراتيجياً معتمداً من قبل النظام.
فجوة الرقابة والغموض التقني
يزيد الغموض المحيط بالأنشطة النووية من تعقيد المشهد؛ حيث حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، في سبتمبر الماضي، من فقدان الوكالة لاستمرارية المعرفة بمخزونات اليورانيوم، بما في ذلك اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، خاصة في المنشآت التي تعرضت لهجمات عسكرية.
ويرى الخبراء أن امتلاك المواد والخبرة التقنية يمثل مرحلة متقدمة، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاك قنبلة جاهزة، إذ يظل الانتقال إلى مرحلة التصنيع الفعلي رهناً بقرار سياسي حاسم وخطوات تقنية معقدة إضافية.
الردع مقابل التصعيد
تضع هذه التطورات إيران أمام معادلة صعبة؛ فبينما يرى المؤيدون لتغيير السياسة النووية أن القنبلة قد توفر مظلة ردع في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، تدرك طهران أن واشنطن لا تزال تعتبر منعها من امتلاك السلاح النووي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تنجح المواجهة العسكرية في دفع طهران لتغيير حساباتها الاستراتيجية، أم أن هذا النقاش العلني ليس سوى ورقة ضغط سياسية في لعبة توازنات القوى الإقليمية؟





