ترتبط قائمة العرب الحاصلين على جوائز نوبل بأربعة عشر اسماً، ستة منها في مجالي الأدب والسلام، وثمانية في المجالات العلمية. وعلى الرغم من أن هذا الحضور يبدو لافتاً، إلا أن التدقيق في تفاصيل هذه المسيرة يكشف عن مفارقة مؤلمة؛ فمعظم هؤلاء العلماء صنعوا إنجازاتهم خارج حدود أوطانهم، وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية.
صناعة عالم ثم تصديره
تجسد الرحلة العلمية للعالم المصري الراحل أحمد زويل التناقض بين بيئة استطاعت تشكيل عقل عالم، لكنها لم تستطع الحفاظ عليه. فبعد أن تلقى زويل أساسياته التعليمية في جامعة الإسكندرية، أدرك أن مصر في ذلك الوقت لم تكن قادرة على توفير البيئة البحثية المتقدمة التي يحتاجها، مما دفعه للانتقال إلى الولايات المتحدة، حيث أنجز داخل مختبرات كالتك أبحاثه في الكيمياء فائقة السرعة التي قادت إلى جائزة نوبل.
عمر ياغي.. نموذج للهجرة العلمية المبكرة
على خطى زويل، سار العالم الأردني عمر ياغي، الذي بدأ شغفه بالكيمياء من مكتبة مدرسته في عمّان، لكنه غادر الأردن في سن الخامسة عشرة ليبني مسيرته البحثية كاملة في المؤسسات التعليمية الأمريكية. ويشير ياغي إلى أن غرام المختبر والبيئة البحثية التنافسية في الولايات المتحدة كانا المحرك الأساسي لتطوير أبحاثه في الأطر الفلزية العضوية، التي توجت بجائزة نوبل للكيمياء عام 2025.
أزمة الجودة لا العدد
تشير تقارير اليونسكو إلى ارتفاع في عدد المنشورات العلمية في الدول العربية، لكن الإشكالية تكمن في جودة البحث لا في كميته. يوضح الدكتور أحمد الجندي، أستاذ الفيزياء بجامعة تكساس، أن البحث العلمي الذي يقود لنوبل يحتاج إلى استقرار مؤسسي وتمويل مستدام، وبيئة تسمح للباحث بتجربة الأفكار الجريئة دون الخوف من توقف الدعم.
يضيف الجندي: المال وحده لا يصنع المعرفة، بل يحتاج إلى مؤسسة قادرة على توظيف هذا المال في مختبرات متطورة ومجموعات بحثية تتعاون وتتجادل علمياً. المناخ المؤسسي في المنطقة العربية لا يزال عاجزاً عن توفير الظروف التي تشجع العقول على البقاء، حيث تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن عدد الباحثين المغادرين من مصر والأردن يوازي عشرة أضعاف القادمين إليهما.
الهجرة.. هل هي خسارة دائماً؟
في ختام النقاش، يرى الخبراء أن الهجرة العلمية لا يجب أن تُصنف دائماً كخسارة، بل يمكن تحويلها إلى فرصة لاكتساب الخبرات والشبكات العلمية العالمية. ويظل التحدي الراهن أمام الدول العربية هو كيفية بناء جسور مع علماء المهجر لخدمة التنمية العلمية في بلدانهم الأصلية، حتى تتهيأ الظروف المناسبة لخلق بيئة مؤسسية جاذبة تُنتج المعرفة من الداخل بدلاً من تصديرها.





