أنهت القنصلية العامة البريطانية في القدس الشرقية المحتلة عملها تحت مسماها الدبلوماسي القديم، وذلك بعد ضغوط إسرائيلية قسرية أدت إلى تغيير صفتها إلى بعثة المملكة المتحدة، في خطوة جاءت رداً على العقوبات التي فرضتها لندن على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية.
جذور الأزمة الحالية
بدأت الأزمة الشهر الماضي عندما منحت إسرائيل المملكة المتحدة مهلة 30 يوماً لإغلاق القنصلية، مهددة بسحب الوضع الدبلوماسي عن الموظفين البريطانيين. جاء هذا الإجراء انتقاماً من قرار وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند بحظر استيراد جميع البضائع من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ومنع الشركات من تقديم خدمات التمويل والبناء والعقارات لها.
ومع اقتراب انتهاء المهلة، توصل الجانبان إلى تسوية في اللحظة الأخيرة؛ حيث سمحت إسرائيل ببقاء طاقم مكون من سبعة دبلوماسيين بريطانيين، بينما غادر 20 آخرون، بمن فيهم القنصل العام، مع تغيير اسم المبنى إلى بعثة المملكة المتحدة في القدس. وتصر لندن على أن هذا الإجراء لا يمس بحقها التاريخي في القنصلية التي تمتلكها منذ قرابة قرنين.
محطات تاريخية: صدامات دموية وتوترات سياسية
لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من التوترات التي شابت العلاقات بين الطرفين منذ ما قبل تأسيس دولة الاحتلال:
تفجير فندق الملك داوود (1946)
في 22 يوليو 1946، نفذت منظمة إرجون الصهيونية تفجيراً إرهابياً استهدف فندق الملك داوود في القدس، الذي كان يضم مقر الأمانة العامة للحكومة البريطانية في فلسطين ومقر قيادة القوات البريطانية. أسفر التفجير عن مقتل 91 شخصاً، بينهم 28 بريطانياً. ورغم ادعاء المنظمة أنها أرسلت تحذيرات، إلا أن السلطات البريطانية أكدت أن هذه التحذيرات لم تصل لأي جهة ذات صلاحية لاتخاذ إجراءات الإخلاء.
الصدام العسكري (1949)
بعد إعلان قيام إسرائيل وانسحاب بريطانيا من فلسطين، اقتربت القوات البريطانية والإسرائيلية من مواجهة مباشرة. في يناير 1949، أسقطت القوات الإسرائيلية طائرات بريطانية من طراز سبيتفاير فوق منطقة قريبة من غزة، مما أدى لمقتل طيارين بريطانيين. حاولت واشنطن حينها تهدئة الأوضاع ومنع تصاعد الصراع إلى حرب شاملة.
حرب لبنان وحظر السلاح (1982)
فرضت بريطانيا حظراً على مبيعات الأسلحة لإسرائيل في يونيو 1982 رداً على الغزو الإسرائيلي للبنان، واستمر هذا الحظر حتى عام 1994. كما شهد العام نفسه توتراً آخر؛ حيث زودت إسرائيل الأرجنتين بأسلحة استخدمت ضد القوات البريطانية خلال حرب فوكلاند، وهو ما اعتبرته لندن انتقاماً من حقبة الانتداب.
المشهد الراهن: قطيعة متصاعدة
تدهورت العلاقات بشكل أكبر منذ أكتوبر 2023؛ حيث اتخذت لندن سلسلة من القرارات، شملت تعليق رخص تصدير أسلحة، وتجميد محادثات تجارية، والاعتراف الرسمي بدولة فلسطين. ويرى مراقبون أن إسرائيل تحاول عبر هذه الإجراءات القسرية فرض واقع جديد ينهي أي تمثيل دبلوماسي مستقل للفلسطينيين في القدس.





