كانت لافينيا فونتانا، رسامة البورتريه في أواخر عصر النهضة، أول فنانة محترفة تتناول في أعمالها تصوير جسد المرأة عارياً، مقدّمة لوحات اتسمت بصراحة وإيحاءات تجاوزت في جرأتها أعمال أقرانها من الفنانين الرجال. يطرح هذا المسار الفني تساؤلات حول دوافع فونتانا؛ هل كان ذلك تمرداً على والدها المتشدد أخلاقياً، أم خياراً تجارياً ذكياً، أم كشفاً لجانب من عالمها الداخلي؟
امتلكت فونتانا وجهين فنيين؛ الأول يبرز في صورتها الذاتية المؤرخة بعام 1577، حيث تظهر جالسة أمام آلة السبينيت بملابس فاخرة ومجوهرات، مجسدة صورة الشابة الإيطالية المثقفة والفاضلة، مع إشارة واضحة في الخلفية لاعتزازها بمهنتها كرسامة. وقد نجحت فونتانا في أن تكون أول فنانة محترفة تحقق نجاحاً كبيراً في رسم البورتريه، وتتلقى تكليفات مرموقة لإنجاز لوحات دينية للكنائس، متحدية بذلك التصور السائد حول قدرات النساء الفنية.
أما الوجه الثاني، فيتجلى في لوحاتها ذات الطابع الإيروتيكي الجريء، مثل لوحة مينيرفا أثناء ارتداء ملابسها (1613)، حيث تبدو الإلهة العارية وكأنها فوجئت بالمشاهد. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن فونتانا لم تكن فقط أول فنانة ترسم الجسد الأنثوي العاري، بل كانت الأكثر جرأة في طرح موضوعات حسية تفوقت على الرجال في عصرها.
تحدي الحدود الفنية
تعود أقدم أعمالها في هذا النوع إلى لوحة فينوس وكوبيد (نحو 1585-1590)، حيث استخدمت الأوشحة واللآلئ لتعزيز الإيحاءات الحسية. وتكرر الأسلوب ذاته في لوحة إيزابيلا رويني التي صورتها كـ فينوس ترتدي وشاحاً شفافاً من الشاش لا يكاد يحجب تفاصيل الجسد.
وتبرز لوحة ثلاث نساء عاريات (نحو 1600) كأحد أهم أعمالها، حيث تصور ثلاث نبيلات يرتدين أوشحة ومجوهرات دقيقة، فيما يرجح الخبراء أن اللوحة تجسد أسطورة حكم باريس. ويشير مؤرخ الفن إنريكو ماريا دال بوتسولو إلى أن فونتانا وظفت هذه الجرأة كأداة ريادية لتأكيد تميزها في سوق فنية تنافسية.
ورغم صرامة عصر الإصلاح الكاثوليكي، استمرت فونتانا في رسم هذه الموضوعات. وبينما يرى البعض أن تلك الأعمال كانت وسيلة لتأمين دخل مادي، يرى آخرون أنها تعكس رغبة الفنانة في تحدي القيود الأخلاقية الصارمة التي فرضها والدها ومجتمعها، خاصة بعد أن اكتشفت أعمالاً تصور فينوس كاليبيجي (صاحبة الأرداف الجميلة)، وهو ما دفعها لرسم لوحة مارس وفينوس التي أظهرت فيها مارس وهو يلمس جسد فينوس بوضوح، وهو فعل لم يجرؤ عليه فنانون ذكور في ذلك الوقت.
تظل فونتانا شخصية معقدة؛ فبينما كانت تمثل النموذج المثالي للفنانة المحترفة في نظر الكنيسة والطبقة الراقية، كانت في الوقت ذاته فنانة متمردة استطاعت بذكائها الفني أن تبني مسيرة استثنائية، مخفية وراء ابتسامتها الغامضة عوالم من التحدي والإبداع التي لم تُكتشف أبعادها الكاملة إلا مؤخراً.





