تدخل الولايات المتحدة المرحلة الأخيرة قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسط مفارقة اقتصادية حادة؛ فبينما تظهر المؤشرات الكلية نمواً في الناتج المحلي الإجمالي، تعاني شريحة واسعة من الأمريكيين من تراجع ملموس في قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة.
لماذا لا ينعكس النمو على جيوب المواطنين؟
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمعدل سنوي 2.2% في الربع الثاني من عام 2026، وهو رقم يشير تقنياً إلى عدم وجود ركود، لكن هذا النمو يحتاج إلى وضعه في سياقه الصحيح؛ فمعدل النمو الفعلي بين الربعين الأول والثاني لم يتجاوز 0.6%. الأهم من ذلك، أن هذا النمو لم يترجم إلى تحسن في الدخل الحقيقي للأسر، بل رافقه ارتفاع في مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي بمعدل سنوي 5.0%، مما خلق ضغوطاً سعرية التهمت أي مكاسب طفيفة في الدخل.
صدمة الطاقة وشبح التضخم
تعد أسعار الطاقة المحرك الرئيسي لاستياء الناخبين، حيث ارتفع البنزين بنسبة 34.2% على أساس سنوي، وارتفع مؤشر الطاقة ككل 20.4%. هذه القفزات، المرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، جعلت المستهلك يرى التضخم في لوحات الأسعار أمام محطات الوقود وفي فواتير الكهرباء والإيجارات، وهي بنود لا يمكن تقليص الإنفاق عليها، مما يجعلها أكثر تأثيراً في الوعي العام من أرقام النمو المجردة.
مؤشرات حذرة في سوق العمل
يشهد سوق العمل الأمريكي تباطؤاً ملحوظاً، حيث أضاف الاقتصاد 29 ألف وظيفة فقط في سبتمبر/أيلول، مع ارتفاع طفيف في معدل البطالة إلى 4.2%. هذا التباطؤ يحد من قدرة العاملين على التفاوض لزيادة الأجور، خاصة وأن متوسط الأجر الحقيقي بالساعة انخفض بنسبة 0.5% على أساس شهري، مما يعني أن الزيادات الاسمية في الرواتب لم تعد تواكب قفزات التضخم.
استطلاعات الرأي: الضيق المعيشي يتصدر المشهد
تكشف استطلاعات الرأي عن عمق الأزمة، حيث أفاد 55% من الأمريكيين بأن ارتفاع الأسعار تسبب في مشقة في الحفاظ على مستوى معيشتهم، بينما ذكر 44% من البالغين مواجهتهم صعوبات في تحمل تكاليف الرعاية الطبية أو الإيجار أو الغذاء. وتُظهر هذه الأرقام أن الغلاء ليس تجربة موحدة، حيث تقع الأسر ذات الدخل المحدود تحت ضغط مضاعف مقارنة بغيرها.
خريطة التفاوت الإقليمي
تختلف تجربة الغلاء من ولاية إلى أخرى بناءً على مستويات الأسعار الهيكلية وتكاليف السكن. فبينما تسجل ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك تكاليف معيشة مرتفعة، تعاني ولايات أخرى من ضعف في نمو الدخل والوظائف. هذا التباين يجعل المقياس الانتخابي ليس النمو الوطني، بل العلاقة بين دخل الفرد وتكاليفه الأساسية في ولايته.
معضلة الفيدرالي وتأثيرها الانتخابي
يواجه الاحتياطي الفيدرالي معضلة صعبة؛ فبينما يرفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم، فإنه يفاقم أعباء المقترضين في قروض السيارات والرهون العقارية وبطاقات الائتمان. ومن المتوقع أن تظل تكاليف الاقتراض مرتفعة خلال فترة الانتخابات، مما يبقي الضغط المالي على الأسر الأمريكية في أعلى مستوياته.
في الختام، يبدو أن الناخب الأمريكي قد حسم أمره في الاعتماد على مقياس المحفظة بدلاً من مقياس الإحصاءات الرسمية. ففي اللحظة التي تلتهم فيها الفاتورة الشهرية حصة أكبر من الدخل، تصبح أرقام النمو الاقتصادي الكلي مجرد تفاصيل لا تقنع مواطناً يصارع لتغطية تكاليف سكنه وغذائه.





