لم يعد امتلاك منزل في الولايات المتحدة هدفاً يسهل بلوغه بمجرد الحصول على وظيفة مستقرة ودخل منتظم. فمع تصاعد أسعار العقارات وتكاليف المعيشة وارتفاع فوائد القروض، يجد ملايين الأمريكيين، ولا سيما الشباب وأبناء الطبقة الوسطى، أنفسهم أمام جدار مسدود، مما دفعهم لتأجيل حلم التملك في ظل ظروف اقتصادية تضغط على قدراتهم الادخارية.
وتشير الأرقام إلى حجم التحول الجذري في السوق؛ حيث بلغ السعر الوسيط للمنازل القائمة المبيعة 417 ألفاً و500 دولار في سبتمبر/أيلول 2026. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تحولت أزمة السكن إلى اختبار سياسي حاسم يضع الحزبين أمام تحدي إعادة إحياء الحلم الأمريكي.
ارتفاع قياسي في أسعار العقارات
اتسعت الفجوة بين أسعار المنازل ودخول الأسر بشكل غير مسبوق. ورغم تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار إلى 1.3% على أساس سنوي، إلا أن السعر الوسيط سجل مستويات قياسية تاريخية. وتكشف بيانات تقرير حالة الإسكان في الولايات المتحدة 2026 أن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 54% منذ عام 2020، لتصل إلى خمسة أضعاف متوسط الدخل الأسري، مقارنة بثلاثة أضعاف فقط في تسعينيات القرن الماضي.
وفي الوقت الذي بلغ فيه متوسط الدخل الأسري 87 ألفاً و460 دولاراً عام 2025، قفزت التكلفة الشهرية المقدرة لامتلاك منزل من 1700 دولار مطلع 2020 إلى 3100 دولار بنهاية 2025، مما جعل التملك امتيازاً بعيد المنال للمشترين الجدد.
فوائد القروض.. التزام مالي ثقيل
ضاعفت فوائد القروض العقارية من تعقيد المشهد؛ إذ بلغ متوسط الفائدة على القروض الثابتة لمدة 30 عاماً نحو 7.32% في أكتوبر/تشرين الأول 2026. هذا الارتفاع يعني أن أسرة تقترض 320 ألف دولار ستواجه قسطاً شهرياً يتجاوز 2100 دولار، بزيادة سنوية تزيد عن 10 آلاف دولار مقارنة بأسعار فائدة منخفضة، مما يرفع إجمالي فوائد القرض على مدى 30 عاماً إلى أرقام فلكية تتجاوز 470 ألف دولار.
جيل زد في مواجهة الإيجارات
تعد الأزمة أشد وطأة على جيل زد؛ حيث لم يشكل أبناء هذا الجيل سوى 4% فقط من إجمالي مشتري المنازل في 2026. وتراجعت حصة المشترين لأول مرة إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1981 (21%)، مع ارتفاع العمر الوسيط للمشتري لأول مرة إلى 40 عاماً.
ولم تعد الأزمة تقتصر على التملك، بل امتدت إلى الاستقلال السكني، حيث اضطر الكثير من الشباب للبقاء في منازل أسرهم أو تقاسم السكن لتقليص النفقات.
أزمة السكن في صناديق الاقتراع
مع اقتراب انتخابات الكونغرس، أصبحت أزمة السكن محوراً للمزايدات السياسية. فبينما يركز الجمهوريون على أوامر تنفيذية تهدف لخفض التكاليف وتيسير البناء، يطرح الديمقراطيون أجندة تهدف لحماية المستأجرين وزيادة المعروض السكني.
ورغم إقرار قانون الطريق إلى الإسكان في القرن الحادي والعشرين، يظل الاختبار الحقيقي أمام الناخبين هو مدى فاعلية هذه الإجراءات في إعادة الحلم الأمريكي إلى متناول اليد، خاصة في ظل ظاهرة الانحباس في الرهن العقاري التي تمنع المالكين الحاليين من البيع، وتفاقم أزمة نقص المعروض التي تبقي الأسعار مرتفعة رغم تراجع الطلب.





