يمثل الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه موسكو ودمشق مراجعة جذرية لشكل الوجود العسكري الروسي في سوريا والشرق الأوسط، بعد مفاوضات مكثفة استمرت عاماً ونصف. هذا التحول ينقل طبيعة التواجد العسكري من قواعد عملياتية متكاملة إلى مراكز تدريب مشتركة، مما يضع علامات استفهام حول الدور المستقبلي لهذه المواقع الإستراتيجية التي حافظت عليها روسيا منذ عام 1971.
تتضمن المرحلة الانتقالية، التي تستمر لثلاثة أشهر، نقل المنشآت المدنية في مطار حميميم وأرصفة ميناء طرطوس إلى سيطرة الحكومة السورية، مع التركيز على ضمان استمرار تشغيل البنية التحتية دون انقطاع. ورغم التوقعات بسير هذه العملية بسلاسة، إلا أن مراقبين لا يستبعدون تحديات تتعلق بملكية المعدات اللوجستية وأرشيف الوثائق التاريخي للمنشآت.

تراجع الحضور العسكري
وفقاً للتحليلات، فإن نموذج مركز التدريب المشترك يعني تقليص القوة العسكرية الروسية من آلاف العسكريين إلى بضع مئات من المتخصصين والمدربين، مع انتهاء حقبة القواعد التي تضم طائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي متطورة. وتعتبر خسارة طرطوس، بصفتها القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا في البحر المتوسط، التحدي الإستراتيجي الأكبر لموسكو التي قد تحاول تعويضها عبر تكثيف التعاون مع دول إقليمية أخرى أو زيادة النشاط في البحر الأسود وبحر قزوين.
من جهة أخرى، يفتح تحويل قاعدة حميميم إلى مركز تدريب الباب أمام دمج بنيتها التحتية في شبكة الطيران المدني السوري.
في غضون 5 أو 7 أعوام، يمكن أن يصبح مطار حميميم مركزا إقليميا رئيسيا، يخدم حركة المسافرين والشحن على حد سواء، مما يعزز القيمة الاقتصادية للاتفاقية برمتها.

مستقبل التوازنات في المنطقة
تشير المعطيات الحالية إلى أن مصير القاعدتين لا يزال قابلاً للتعديل في السنوات المقبلة، حيث يُنظر إلى نموذج مركز التدريب كمرحلة انتقالية قد تفضي إلى انسحاب كامل للمنشآت العسكرية الأجنبية إذا ما تعزز الاستقرار السياسي الداخلي في سوريا.
ويرى المحللون أن التخلي التام عن القواعد الروسية سيؤدي إلى تغييرات جوهرية في التوازن الهش القائم في المنطقة، خاصة في ظل استمرار دمشق في مواجهة التبعات السياسية والاقتصادية لسنوات الحرب الطويلة.





