في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن قيام حكومته بتقييم احتمالية تعرض كندا لهجوم عسكري من الولايات المتحدة، واصفاً هذا السيناريو بأنه مخاطرة قصوى (Extreme tail risk)، أي حدث ذو احتمالية ضئيلة جداً لكنه يحمل عواقب كارثية.
وأكد كارني، الذي شغل سابقاً منصب محافظ بنك إنجلترا، أن هذا الإجراء يأتي في إطار إدارة المخاطر، مشيراً إلى أنه من غير المسؤول عدم أخذ مثل هذه الاحتمالات بعين الاعتبار في ظل المناخ الجيوسياسي الراهن.
توترات تجارية وأطماع سياسية
تعود جذور التوتر بين أوتاوا وواشنطن إلى سلسلة من النزاعات التجارية التي تفاقمت منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025. فقد فرضت واشنطن رسوماً جمركية تصاعدية على البضائع الكندية، شملت قطاعات الصلب والألمنيوم، فضلاً عن تهديدات ترامب المتكررة بضم كندا لتصبح الولاية الحادية والخمسين.
وقد أدى انهيار المحادثات التجارية في أغسطس الماضي إلى تبادل فرض رسوم جمركية عقابية، حيث فرضت واشنطن ضرائب بنسبة 50% على بضائع كندية بقيمة 20 مليار دولار، وهو ما ردت عليه أوتاوا بإجراءات مماثلة، مما يضع الاقتصاد الكندي -المرتبط بنظيره الأمريكي بنسبة 72% من إجمالي صادراته- في وضع حرج.
استراتيجية كندا للتحصين
في محاولة لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، بدأت كندا في مراجعة صفقات التسلح، بما في ذلك شراء مقاتلات إف-35 الأمريكية، والبحث عن بدائل لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ستارلينك. كما كثف كارني تحركاته الدبلوماسية نحو الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لتعزيز تحالفات أمنية جديدة، بما في ذلك السعي للانضمام إلى قوة الاستطلاع المشتركة (JEF).
من جانبه، يرى خبراء أن هذه التوترات تعكس تغيراً في المشهد الأمني العالمي، حيث أصبحت كندا تشعر بأنها في بيئة جيوسياسية متقلبة، خاصة مع تصريحات ترامب الاستفزازية وتغييره لأسماء معالم جغرافية حدودية.
ماذا لو وقع الصدام؟
رغم إجماع الخبراء على أن الهجوم العسكري الأمريكي على كندا يظل غير وارد منطقياً، إلا أن المحللين يحذرون من أن أي مواجهة من هذا النوع ستكون كارثة مطلقة للمصالح الأمريكية العالمية.
ويشير تاير سولومون، أستاذ العلاقات الدولية، إلى أن أي محاولة أمريكية لفرض السيطرة ستؤدي إلى تبخر ما تبقى من ثقة في واشنطن، وستدفع الديمقراطيات الأخرى إلى تسريع بناء أنظمة أمنية وتحالفات مستقلة بعيداً عن المظلة الأمريكية.
ورغم حالة الحذر، يؤكد كارني استمراره في التواصل المباشر مع ترامب، مشيراً إلى أن قنوات الحوار لا تزال مفتوحة، رغم أن المراقبين يشككون في إمكانية بناء علاقات مستقرة مع إدارة تعتمد على التغيير المفاجئ وغير المتوقع في سياستها الخارجية.





