في ظل تحولات هيكلية يشهدها الاقتصاد العالمي، باتت براءات الاختراع والعلامات التجارية والبيانات الرقمية تتصدر المشهد كأصول استثمارية عابرة للحدود، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المنظومات القانونية الحالية على حماية هذه الأصول في ظل غياب مسار قضائي دولي موحد.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان نحو حوكمة عالمية موثوقة للملكية الفكرية والاستثمار وتسوية النزاعات الدولية، ضمن فعاليات منتدى الاستثمار العالمي المنعقد في الدوحة، حيث حذر الخبراء من أن تشرذم القواعد وازدواجية معايير التقاضي يهددان حركة التدفقات الرأسمالية العالمية.
طفرة الأصول غير الملموسة
يشهد الاقتصاد الدولي انقلاباً هيكلياً تراجعت معه هيمنة الأصول المادية لصالح رأس المال غير الملموس. ويوضح ماركو أليمان، مساعد المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، أن قيمة كبريات الشركات العالمية باتت تتشكل بنسبة تقارب 90% من الأصول غير الملموسة.
وتشير دراسة مشتركة لـ الويبو وجامعة لويس في روما إلى الأرقام التالية:
- حجم الاستثمار: بلغ الإنفاق الموجه لتوليد الأصول غير الملموسة نحو 10 تريليونات دولار سنوياً.
- المساهمة الاقتصادية: تمثل هذه الأصول 12% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، متفوقة للمرة الأولى على الأصول المادية (11%).
- كثافة التسجيل: تجاوزت طلبات العلامات التجارية 40 مليون طلب، وبراءات الاختراع الدولية 3.5 ملايين طلب سنوياً.
استجابة وطنية لمأزق دولي
مع تعطل جهاز الاستئناف في منظمة التجارة العالمية منذ عام 2019، سعت الدول إلى بناء تحصينات وطنية. وفي هذا السياق، استعرض صالح المانع، وكيل الوزارة المساعد لشؤون التجارة بوزارة التجارة والصناعة في قطر، تجربة الدوحة في تعزيز بيئتها الاستثمارية عبر:
- تأسيس محكمة الاستثمار والتجارة للفصل في منازعات الملكية الفكرية.
- تفعيل لجان التحكيم وفض المنازعات السريعة.
- الانضمام إلى نظامي مدريد ونيس الدوليين لتوحيد حماية العلامات التجارية رقمياً.
السيادة التنظيمية في مواجهة حقوق المستثمرين
تتقاطع حقوق الملكية الفكرية مع السيادة الوطنية، حيث تبرز معضلة التوفيق بين حماية رؤوس الأموال ومصالح الدول العامة. وتوضح الدكتورة سوزان كارامانيان، عميدة كلية القانون بجامعة حمد بن خليفة، أن اتفاقية تريبس تمنح الدول مرونة واسعة في التنفيذ، مما أدى إلى تباين في المعايير القانونية عالمياً.
من جانبه، أشار خاور قريشي، رئيس مؤسسة ماكنير الدولية للمحاماة، إلى أن إدراج الملكية الفكرية في أكثر من 3 آلاف معاهدة استثمار ثنائية فتح الباب لمقاضاة الدول، مؤكداً وجود موجة ارتدادية في الاتفاقيات الحديثة تهدف لاستعادة السيادة التنظيمية.
تحديات الرقمنة والذكاء الاصطناعي
مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يواجه المستثمرون مخاطر تشغيلية حددها روبرت بوريل، أستاذ الملكية الفكرية بجامعة أكسفورد، في ثلاثة محاور:
- تكدس السجلات: حجز علامات تجارية دون نشاط فعلي.
- الهجوم المركزي: انهيار الحماية دولياً في حال إبطال العلامة في بلد المنشأ.
- التشتت القضائي: تباين تفسير شروط الاستخدام الفعلي بين المحاكم الوطنية.
وخلص المشاركون إلى أن حوكمة الملكية الفكرية تتجه نحو نظام هجين، يتراجع فيه التعويل على المحاكم الدولية لصالح أقطاب قضائية وطنية وإقليمية متخصصة، مع ضرورة توظيف التحكيم والوساطة كخط دفاع أول لحماية الأصول في العصر الرقمي.





